ما هو مصير المقاتلين الأجانب لدى "داعش" في سورية؟

ما هو مصير المقاتلين الأجانب لدى "داعش" في سورية؟

07 فبراير 2019
الصورة
"قسد" تحتجز نحو ألف مقاتل من "داعش"(دليل سليمان/فرانس برس)
+ الخط -
مع اقتراب الحرب ضد تنظيم "داعش" في سورية من خواتيمها، تبرز إشكاليات عديدة، تتصل بمرحلة ما بعد تصفية هذا التنظيم، من بينها قضية الأجانب الذين كانوا يقاتلون في صفوفه، خصوصاً أولئك الذين تم القبض عليهم أو سلموا أنفسهم إلى المقاتلين الأكراد، والقوات الأميركية في سورية، والذين يقدر عددهم بالمئات، بينما من غير المعروف ما سيكون عليه مصير آلاف آخرين من المقاتلين الأجانب الموجودين في فصائل أخرى في محافظة إدلب.


ومع تمنُع معظم الدول عن استقبال رعاياها من عناصر التنظيم، دعت الولايات المتحدة الدول لاستعادة مواطنيها الذين التحقوا بصفوف "داعش" والمعتقلين لدى "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) ومحاكمتهم. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، روبرت بالادينو، في بيان، إن "الولايات المتحدة تدعو الدول الأخرى إلى استعادة ومحاكمة مواطنيها المحتجزين لدى قوات سورية الديمقراطية". وأضاف "رغم تحرير المناطق التي كانت خاضعة لتنظيم داعش في العراق وسورية، لا يزال هذا التنظيم يمثل تهديداً إرهابياً، ما يستدعي اتخاذ إجراء شامل للتعامل مع هذا التحدي الأمني العالمي".

وحتى الآن، لم تُبد إلا دول قليلة استعدادها لاستقبال مواطنيها من مسلحي التنظيم، لكن "قسد" حذرت من أنها قد تفقد السيطرة على السجون بعد انسحاب القوات الأميركية. وتأتي الدعوة الأميركية، قبل  اجتماع عقد في واشنطن أمس الأربعاء بين وزراء خارجية دول أوروبية وبعض دول الشرق الأوسط لإجراء محادثات تهدف إلى وضع تصور للحرب على تنظيم "داعش" بعد انسحاب القوات الأميركية. وأعربت الإدارة الأميركية، منذ أسابيع، عن قلقها إزاء وضع المحتجزين من مسلحي "داعش" بعد رحيل القوات الأميركية. واعتبر مسؤول أميركي أن هناك عددا من السيناريوهات التي "قد تؤدي إلى تغيير في السيطرة الإيجابية الحالية على العناصر المحتجزة"، معرباً عن خشيته من أن يتوجه "الجهاديون إلى مناطق أكثر اضطراباً حول العالم حيث يمكنهم استئناف القتال".

وكانت باريس أشارت، في وقت سابق، إلى إمكانية السماح للمقاتلين الفرنسيين في صفوف "داعش"، المحتجزين في سجون "قسد"، بالعودة إلى فرنسا. وقال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، إن "هدف فرنسا هو تفادي هروب وانتشار هذه العناصر الخطرة"، معترفاً بأن الموقف على الأرض يتغير مع انسحاب القوات الأميركية. وفي تفسير لهذا القرار، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أنه "نظراً للتطور في الوضع العسكري في شمال شرق سورية، والقرارات الأميركية، ولضمان أمن الفرنسيين، فإننا ندرس جميع الخيارات لتجنب فرار وانتشار هؤلاء الأشخاص الخطرين". وأضافت "إذا اتخذت القوات التي تحرس المقاتلين الفرنسيين قراراً بطردهم إلى فرنسا، فسيتم وضعهم فوراً تحت تصرف القانون". وأوضحت أن "الجهاديين، الذين انضم العديد منهم إلى تنظيم داعش، سيواجهون أقسى الإجراءات القانونية، باعتبارهم انضموا طوعاً إلى منظمة إرهابية تقاتل في سورية، وشنت هجمات في فرنسا وتواصل تهديدنا". وغردت زعيمة حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، مارين لوبان، "هؤلاء جهاديون، ولذلك يجب ألا يعتبروا فرنسيين بعد الآن". وقال مصدر أمني فرنسي إنه "قد تتم إعادة مجموعة من 130 شخصاً، بينهم نساء، من الجهاديين إلى فرنسا". وكان المسؤولون الفرنسيون يشددون على أنه يجب محاكمة المقاتلين وزوجاتهم وسجنهم في سورية، فيما لم يعارضوا إعادة أطفالهم ووضعهم لدى أقاربهم في فرنسا. وتحدث مسؤولون فرنسيون عن خضوع عائلات المقاتلين لبرامج تأهيل بهدف إعادة دمجهم في المجتمع من جديد.


في المقابل، لم تُبد بريطانيا، التي لا تزال تحتفظ بقوات محدودة في سورية تعمل مع القوات الفرنسية هناك، اهتماماً باستقدام العنصرين المتبقيين على قيد الحياة من المجموعة التي تعرف باسم "خنافس داعش". وترجح تقارير أن الحكومة البريطانية قد جردت ألكسندر أمون كوتي والشافعي الشيخ من الجنسية البريطانية، وتدرس تسليمهما إلى واشنطن. ويعتقد أن نحو 1700 مواطن فرنسي توجهوا إلى العراق وسورية للقتال هناك بين العامين 2014 و2018، بحسب أرقام رسمية، فيما تشير بعض التقديرات إلى مقتل 300 منهم. وبحلول سبتمبر/أيلول 2018، عاد نحو 260 إلى بلادهم طوعاً، وجرت محاكمة نحو 200 منهم، بحسب وزارة العدل. وكانت "قسد" أعلنت أنها "تحتجز نحو ألف مقاتل من داعش مع أعداد من عائلاتهم، تضم 550 امرأة ونحو 1200 طفل، من 48 جنسية، أبرزها الأميركية والفرنسية والبريطانية والبلجيكية ومن الاتحاد الروسي، والمئات من جنسيات عربية، بينهم مزدوجو الجنسية، ومنهم 10 معتقلين نفذوا جرائم في عدد من الدول وهم مطلوبون دولياً". 

يأتي ذلك بينما تتواصل المفاوضات بين "قسد" وضباط من التحالف الدولي من جهة، وعناصر وقادة "داعش" المتبقين في الجيب الأخير للتنظيم، عند الضفاف الشرقية لنهر الفرات، من جهة أخرى، إذ يحاول عناصر "داعش" إيجاد مخرج آمن لهم باتجاه البادية السورية، الأمر الذي ترفضه قوات التحالف وتطالبهم بالاستسلام. وحسب مصادر عدة، فقد وصل إلى المنطقة المئات من عناصر القوات الخاصة الأميركية، في مهمة للبحث عن مطلوبين من الخارجين من الجيب الأخير لتنظيم "داعش" أو اعتقال من يقوم بالاستسلام خلال المفاوضات. ويتطلع الأميركيون للقبض على قادة "داعش" البارزين، وفي مقدمتهم زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي.

وقال الصحافي في شبكة "فرات بوست" المهتمة بشؤون المنطقة الشرقية من سورية، صهيب جابر، لـ"العربي الجديد"، إن "المقاتلين الأجانب لدى داعش يتوزعون على أربع مجموعات، واحدة عادت إلى بلادها بشكل رسمي، ومعظم أفرادها من مناطق القوقاز، وأخرى من القياديين من الصف الأول وقد تسربت إلى البادية بعلم وترتيب قوات النظام (السوري)، فيما دفع البعض أموالاً طائلة لعناصر قسد وتمكنوا من الإفلات من الاعتقال". ويضيف أن "الجزء الرابع والأخير هم من تحتجزهم قسد في بعض مراكز الاعتقال برعاية أميركية، وهؤلاء تستثمرهم سياسياً ومالياً بوصفهم مصدر دخل". ويشير جابر، الذي يعمل أيضاً في مركز لملاحقة مجرمي الحرب يسمى "مركز الفرات لمناهضة العنف والإرهاب"، إلى أن "إحدى أولويات المركز هي ملاحقة مجرمي الحرب، سواء من داعش، أو قسد أو نظام (بشار) الأسد". وأعلن جابر أن شبكة "فرات بوست" وثقت "وصول نحو ثلاثة آلاف عنصر من داعش وعائلاتهم، أغلبهم من سورية والعراق، إلى مناطق درع الفرات، واستطاع الكثير منهم الوصول إلى أوروبا". وأشار إلى أن "هناك المئات من قياديي التنظيم الأجانب تمت استعادتهم من قبل طائرات التحالف الدولي التي قامت بعمليات إنزال في الحسكة ودير الزور خلال الشهور الماضية، ومن المعتقد أنهم كانوا مدسوسين ضمن التنظيم من جانب الاستخبارات الأميركية أو استخبارات الدول الأخرى".

وفي السياق نفسه، اتهم قائد عسكري في قوات "درع الفرات"، التابع للجيش السوري الحر، "قوات سورية الديمقراطية" بالمساهمة في هروب الآلاف من مسلحي "داعش" وعائلاتهم من شمال وشرق سورية باتجاه مناطق "درع الفرات" في جرابلس وإعزاز بريف حلب الشرقي. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن القائد، الذي رفض الكشف عن اسمه، قوله "تم إلقاء القبض على المئات من مسلحي داعش من قبل قواتنا، وهم من جنسيات سورية وأجنبية وقد اعترفوا بأنهم دفعوا آلاف الدولارات، والبعض منهم دفع مئات آلاف الدولارات، خصوصاً إذا كان قيادياً في تنظيم داعش". وأضاف أن مسلحي "قسد" قاموا بتهريبهم عن طريق شبكات تهريب ترتبط مع مسلحي "قوات سورية الديمقراطية" ووصلوا إلى مناطق "درع الفرات"، وتم إلقاء القبض عليهم، إما على حواجز "درع الفرات" مع "قسد" شمال مدينة منبج أو ضمن مناطق "درع الفرات". وقال مسؤولون أميركيون إن العدد الكبير من المحتجزين في مراكز اعتقال مكتظة بالسجناء، قد يؤدي إلى انتشار الأفكار المتطرفة وزيادة حدة التشدد، بينما بلغت الطاقة الاستيعابية لمراكز الاعتقال، التابعة إلى "قسد"، مداها، خصوصاً أن الاعتقالات تجري بشكل يومي تقريباً. وحسب مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية دان كوتس، في تقرير استعرضه أمام الكونغرس قبل أيام، فإن التنظيم ما زال يدير آلاف المقاتلين في العراق وسورية، ولا يزال يشكل تهديداً قوياً في الشرق الأوسط. وأضاف "لا يزال لدى التنظيم ثمانية فروع وأكثر من 12 شبكة وآلاف المناصرين المنتشرين حول العالم رغم خسائره الجسيمة في القياديين والأراضي"، مرجحاً أن يواصل التنظيم السعي لشن هجمات خارجية من العراق وسورية ضد أعدائه في المنطقة والغرب بمن فيهم الذين في الولايات المتحدة.

المساهمون