ما لا يُقال عن التحرّش

13 يوليو 2020
الصورة
+ الخط -

تحوّل موضوع التحرّش الجنسي في مصر إلى صرعةٍ تصيب من يحملون لواء الدفاع عن حقوق المرأة من المثقفين والناشطين، فكلما وقع حادث تحرّش أو اعتداء جنسي على فتاة، أياً كان سياقه وأسبابه، سارع هؤلاء إلى النحيب على حقوق المرأة والتنديد بحيوانية الرجل. غير أن إثارة قضية التحرّش لم تعد مجرّد قضية حقوقية، أو حتى قضية مساواة أو عنصرية في النظرة المجتمعية إلى المرأة، بل صار التحرّش أيضاً أحد محاور الانقسام المجتمعي، وبالتالي واحداً من أدوات الإلهاء ونماذجه الناجحة في الساحة المصرية. لذا صارت هناك متلازمة ثابتة تصاحب كل قضية تحرّش أو اعتداء جنسي أو حتى خيانة زوجية عادية، وهي متلازمة اتهام المتحرّش أو الرجل بالشبق المرضي أو الإجرام السلوكي، مقابل اتهام النساء والفتيات بالتعرّي والانحلال، ما يبرّر تعرّضهن للاعتداء الجنسي. وبين هذه وتلك تضيع الحقيقة، ولا أحد يبحث في ما وراء تلك الظاهرة التي صارت بالفعل منتشرة، وتزداد انتشاراً بين المصريين.
الأسباب المباشرة للتحرّش معروفة علمياً ولا تحتاج بحثاً أو مجادلة. إذا كانت حالات التحرّش فردية، وليست ظاهرة متفشية، فهي ترتبط بالخلفيات التربوية والتركيبة النفسية للمتحرّش، وهي سمات قابلة للتعاظم والانحسار، بتأثير البيئة المحيطة والنسق الثقافي السائد. وهذا ما لا يتحدّث عنه أحد عند انتقاد التحرّش ونبذ المتحرّشين، بل والمطالبة بإعدامهم. إذ لا يولد الإنسان مُتحرّشاً، الأصل في الطبيعة البشرية هو الميل إلى الجنس الآخر، على ألا أن تسيطر الغريزة وتتحكّم في صاحبها.
أما انتشار التحرّشات وتكرارها، كما هو الحاصل في مصر منذ سنوات، فيعني أن المشكلة ليست في خلل غريزي عارض، أو جموح استثنائي عند أفراد، وإنما ظاهرة مجتمعية، أو بالأدق جزء من ظواهر أشمل وأسوأ، تسللت إلى نسيج المجتمع المصري.
وما لا تقوله المؤسسات النسوية، ولا يعترف به معتنقو مظلومية المرأة، أن الانحراف الجنسي بشكل عام صار ظاهرة متفشّية في المجتمع المصري. وما يعلن من حالات الخيانة الزوجية والممارسات الجنسية الكاملة أو الجزئية يحمل دلالاتٍ خطيرة، تتجاوز غياب الرادع الديني وتشوه القيم والأخلاق. ويكشف تعاظم الخلل الإدراكي وزيادة حدّة الاضطرابات النفسية والسلوكية ونطاقهما.
لا يقتصر هذا الخلل على فئات اجتماعية بعينها، أو شرائح عمرية دون غيرها. ولا اختلافات كبيرة في نسبة انتشاره بين غير القادرين على الزواج من الفقراء وفي مناطق التكدّس السكاني، عن الأثرياء وقاطني المناطق الراقية. وكذلك الأمر بالنسبة للتوزيع الجهوي بين المركز والهوامش، أو المدن الكبيرة والأقاليم.
لا يتحدّث أحد عن الكم الهائل من مثيرات الغرائز التي تحيط بالشباب والفتيات في كل لحظة في كل مكان، من سينما مبتذلة شعارها العنف والجنس، إلى قنوات تلفزيونية تروّج ثقافات وسلوكيات منفلتة، كأنها النموذج المطلوب الاقتداء به في جرأة الرجال ووقاحتهم ومرونة النساء وانفتاحهن. بل وصل الأمر إلى خروج أحد المحسوبين على مشايخ الدين، ليعلن على الشاشة أن عفّة المرأة ليست في جسدها، وأن الشرف والطهر لا يرتبط بوجود "غشاء البكارة" أو غيابه.
لقد ذهبت أشكال الانحراف الجنسي الموجودة في الواقع أبعد كثيراً من التحرّش التقليدي بسبب شبق رجل أو غنج امرأة. ووصل تخبط المعايير واضطراب الرغبات البشرية نفسها إلى حد أن بوصلة الغريزة الجنسية ضلت طريقها (الطبيعي بيولوجياً) بين الرجل والمرأة.