ما قصة وزارة المجاهدين في الجزائر؟

09 اغسطس 2019
الصورة
تحركات الجزائر تطالب بمحارية الفساد (العربي الجديد)
يمكن للمرء أن يسمع عن "وزارة المجاهدين" في الجزائر فقط، إذ لا وجود لهذه الوزارة على الإطلاق في أي بلد عربي آخر كان له تاريخ طويل مع الاستعمار والثورات كالمغرب وتونس ومصر سورية.

كان تأسيس هذه الوزارة أمراً منطقياً وضرورياً سنة 1962 بعد استقلال الجزائر، من أجل الاهتمام بضحايا ثورة التحرير الجزائرية، وعلى رأسهم المجاهدون وأسر الشهداء، ولكن استمرار هذه الوزارة بميزانيتها الهائلة إلى يومنا هذا يبقى مبهماً لدرجة لا يصدِّقها العقل البشري، والذي سيدخل إلى متاهات جديدة عندما يتساءل عن سبب ارتفاع الميزانية الهائلة المخصَّصة لهذه الوزارة. علماً أن عدد المجاهدين في تناقص والأمر سيان بالنسبة لعدد أبناء الشهداء.

ورغم انتهاء مسألة الاعتراف بالمشاركين في الثورة سنة 2002 بتوصيات المؤتمر التاسع للمنظمة الوطنية للمجاهدين والتي تمَّ بموجبها حلّ كل لجان الاعتراف، إلا أنّ الميزانية المخصَّصة لهذه الوزارة شهدت ارتفاعاً كبيراً، ففي سنة 2010 مثلاً، أي بعد مرور 48 عاماً على الاستقلال و8 سنوات على وقف الاعتراف بمجاهدين جدد، قُدِّرت الميزانية المخصَّصة لهذه الوزارة، حسب الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، بما يقارب 1.216 مليار دولار، وارتفعت إلى 1.4171 مليار دولار سنة 2011، ثم 1.6023 مليار دولار سنة 2012، و1.8481 مليار دولار سنة 2013، ومن ثم 2.0171 مليار دولار سنة 2014، وصولاً إلى 2.1090 مليار دولار سنة 2015.

وبعد الانخفاض الحاد في أسعار النفط، وفي إطار سياسات التقشُّف، قرَّرت الحكومة الجزائرية تخفيض ميزانيات أغلب الوزارات، ولكن بالرغم من ذلك تمَّ تخفيض الميزانية المخصَّصة لوزارة المجاهدين بشكل طفيف، حيث خُصِّص لها 2.07827 مليار دولار سنة 2016، و2.05490 مليار دولار سنة 2017، و1.88265 مليار دولار سنة 2018، وصولاً إلى 1.88008 مليار دولار سنة 2019. وكما هو ملاحظ، فإنّ هذه الوزارة تلتهم مبالغ طائلة لأسباب تضمحلّ مع مرور الزمن، أليس من الأحرى أن يتم توجيه تلك المبالغ إلى وزارات أخرى تخدم كل المواطنين البسطاء، على حدّ سواء؟

يستمرّ الغموض بالالتفاف حول وزارة المجاهدين غير المنتجة والتي تلتهم سنوياً ما يقارب ملياري دولار؛ وبمقتضى اتفاقية إيفيان تمَّ الإعلان عن وقف إطلاق النار كلياً في الجزائر يوم 19 مارس/آذار 1962.

ومن المعلوم أنّه كان ممنوعا تجنيد أي جزائري أقل من 16 سنة، وبالتالي أصغر مجاهد كان يبلغ من العمر على الأقل 18 سنة 1962 والذي يبلغ حالياً 75 سنة في 2019. ويجدر بالذكر أنّ هذا المجاهد لم يشارك أصلاً في ثورة التحرير، لأنّه التحق بها يوم وقف إطلاق النار، وهذا يعني أنّ المجاهدين الذين يتم احتسابهم من المفروض أن تتجاوز أعمارهم 76 سنة. وتتكتَّم هذه الوزارة بشكل شديد وغريب جدّاً على عدد المجاهدين وأبناء الشهداء الذين يتلقون أجوراً منها. كما يتميَّز الموقع الإلكتروني لهذه الوزارة بفقره الشديد في تقديم مثل تلك المعلومات أو أية إحصائيات أخرى من شأنها إثراء البحث في هذا الميدان.

هذا وقد تمَّ تسريب بعض المعلومات التي تفيد بأنّ هناك مجاهدين لا تتجاوز أعمارهم 70 سنة يستفيدون من أجور وامتيازات أخرى وعددهم يفوق مائة ألف مجاهد. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: متى جاهد هؤلاء المجاهدون؟

وتعمُّد الوزارة طمس أي حقائق عن عدد المجاهدين وأبناء الشهداء يأتي كدليل فاضح على الفساد الذي يتغذَّى على الميزانيات المخصَّصة لها، هذا ويتمتَّع المجاهدون المسجلون برفاهية كبيرة، فأغلبهم متزوجون بأكثر من زوجة ولديهم أكثر من سكن، كما سبق وسلَّطت فضائح أخرى الضوء على عدم انقطاع أجور بعض المجاهدين الذين وافتهم المنية قبل عدة سنوات، ومثل هذه الألاعيب تفتح الباب على مصراعيه لاستشراء الفساد واستفحاله.

لقد تمَّ تأسيس الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته من أجل اقتراح وتفعيل سياسة شاملة للوقاية من الفساد وتكريس مبادئ دولة الحق والقانون وضمان النّزاهة والشفافية والمسؤولية في تسيير الممتلكات والأموال العمومية والمساهمة في تطبيقها. ومن المفروض أنّ هذه الهيئة تتمتَّع بالاستقلالية الإدارية والمالية. إذاً لماذا تغيب هذه الهيئة تماماً عن ساحة الفساد الذي يسرح ويمرح في ظلّ غياب حسيب أو رقيب؟

فمن المفروض أن تضع هذه الهيئة كل الوزارات نصب عينيها، وأولها وزارة المجاهدين التي تنهب الكثير من الأموال، بدلاً من صمتها الرهيب وهدوئها المريب، ومن الذي سيحاسب هذه الوزارة ويسائل مسؤوليها إن لم تتولّ الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ذلك؟

إن كانت أهم أولويات هذه الهيئة الحرص على التسيير الشفاف والنزيه للأموال العمومية، فلِم لا تحرِّك ساكناً تجاه هذه الوزارة وتطالبها بنشر قوائم المجاهدين وأبناء الشهداء المستفيدين، إضافة إلى تقديم تبريرات كافية ووافية للأسباب الكامنة وراء كل من الامتيازات الممنوحة لأحفاد المجاهدين والشهداء، تزايد الميزانية في الوقت الذي ينخفض فيه عدد المجاهدين، ووجود مجاهدين دون 75 عاما.

هذا وتتوالى فضائح الفساد من أكبرها إلى أصغرها في الجزائر، وتقف هذه الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد مكتوفة الأيدي وكأنّها غير معنية بذلك، لتتحوَّل بجدارة إلى هيئة لمشاهدة الفساد والسماح بمروره.

خلاصة القول إنّ وزارة المجاهدين أصبحت وكراً لا يخلو من ألاعيب الفساد، وهذا يتطلَّب من الحكومة الجزائرية العمل بشكل جدي على مراقبة المسار الذي يسلكه كل دينار يدخل تلك الوزارة، ومساءلة كل مسؤوليها ومطالبتهم بنشر قوائم بأسماء وأعمار كل المستفيدين تحت مظلة هذه الوزارة.

وهذه الخطة جدّ ضرورية لإعداد استراتيجية شاملة لتخفيض ميزانية هذه الوزارة إلى الحدّ الذي يتناسب مع حجم المستفيدين الحقيقيين. وهذا ما يمكِّن من محاصرة الفساد ووضع حدّ للذين تسوِّل لهم أنفسهم العبث بالمال العام، وعلاوة على ذلك ستمكِّن هذه الخطوة في غضون السنوات القليلة القادمة من حذف هذه الوزارة وتعويضها بمكاتب على مستوى ولايات الجزائر. وهكذا سيتم توفير مبالغ مالية هامة ستُوجَّه إلى مجالات وقطاعات أخرى بحاجة أكبر لها.