ما تريده أميركا وما يريده العرب

28 مايو 2019
الصورة
+ الخط -
من الغريب أنه، وبعد نحو قرن على ظهور أميركا قوة عالمية كبرى، ثم قوة عالمية متفردّة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، ما زال بعض العرب يعتقد أن أميركا يمكن أن تعمل لديه كشرطي يهرع إليه وقت ما يطلبه، بل من الغريب أكثر أن بعض العرب ما زال يراهن على أميركا لتحل له مشكلاته وتدعمه، وتقف بوجه من يهدّده، ويغيب عنه، بجهل أو بتعمد أو بعجز، أن أميركا هي التي كانت وما زالت المتسبب الأول في مشكلات كثيرة يعاني منها الشرق الأوسط والعالم.
جاءت أساطيل أميركا إلى الخليج العربي، العنوان المرفوع هي أنها جاءت لقتال إيران، محور كل شر، وسبب كل مصيبة، كما يروّجها الصقور في إدارة الرئيس دونالد ترامب، حضور جعل بعض العرب يعتقدون، كما في كل مرة، أن أميركا هذه المرة جادّة في تحرّكاتها التي تستهدف إيران، فراح بعضهم يهلل لتلك القوات، ويتوعد إيران، بقوة أميركا، ويدفع نحو الحرب، وكأن أميركا تعمل عنده، أو بأمواله، كما جاء على لسان بعضهم في حوارات فضائياتٍ احترفت الخداع والتضليل.
نعم جاءت أميركا بأساطيلها إلى الخليج، ونعم كان عنوان هذا الحضور هو ردع إيران التي تهدّد مصالح الولايات المتحدة، ودفع إيران إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، من أجل إبرام صفقة جديدة في ما يخص ملفها النووي الذي سبق لإيران أن وقعت على صفقة في هذا الشأن قبل أربع سنوات تقريباً، قبل أن ينسحب منها ترامب.
أعلنت أميركا أيضاً أنها تريد أن تدفع إيران لكفّ يدها عن التدخل في البلدان العربية، في 
العراق وسورية ولبنان واليمن، وهو ما يتمنّاه عرب كثيرون، هذا بالإضافة إلى مطلب أميركي آخر يتعلق بتحجيم القوة الصاروخية الإيرانية، وتحجيم برنامجها لإنتاج الصواريخ البالستية الذي بات يهدّد المنطقة.
كل هذه الشعارات دعمتها أميركا بحصار وعقوبات اقتصادية على إيران، بدأت تأكل الكثير من النظام على الصعيد الداخلي، من دون أن تدفع الإيرانيين بعد إلى الخروج بتظاهرات لتغيير النظام، كما كان ترامب وصقوره يمنّون النفس، وربما الوقت ما زال مبكراً على ذلك. ولكن السؤال: هل أميركا معنية فعلاً بهذه الأهداف التي جاءت من أجلها كما يقول قادتها؟ وهي الأهداف التي ربما تتلاقى مع أهداف عربٍ كثيرين ممن ذاقوا الكثير من النفوذ الإيراني والاستعلاء الذي رافقه خلال الـ15 عاماً الماضية، وتحديداً منذ إسقاط النظام العراقي السابق في 2003؟
تشعر بعض الدول العربية، وتحديداً السعودية، بالعجز أمام إيران، فهي لا تجد بداً من الاستعانة بالولايات المتحدة، فإيران اليوم تلاعب السعودية في حدائقها الخلفية التي اعتقدت الرياض طويلاً أنها محصّنة، فهذا اليمن، وبعد أربع سنوات من الحرب السعودية الإماراتية عليها، ما زال عصياً، بل زادت قوة الحوثيين الذين تدعمهم إيران، وباتت صواريخهم تهدّد المدن السعودية، بل وصل الحال إلى إرسالهم طائرات مسيّرة لقصف مطار أبوظبي، وتصوير هذا القصف.
كما أن إيران تشكل قوة عسكرية وسياسية واقتصادية في الخاصرة الشمالية للسعودية، العراق، ما جعل الرياض بين نارين، من دون أن تتمكّن السياسات السعودية من إيجاد القدرة لمواجهة إيران، سواء في المال أو الحرب، فهل يمكن للولايات المتحدة أن تساهم في طمأنة السعودية من خلال تحجيم إيران، وردعها بالقوة أو العقوبات؟ من المنطق أن تكون أميركا قادرة على ذلك. ولكن أليس من المنطق أيضا أن يُسأل: من الذي مكّن لإيران من التسيّد والسيطرة على أربع دول عربية، والتغلغل فيها؟ ألم تكن الولايات المتحدة؟ ألم تكن السياسة السعودية التي لا تتحرّك إلا بضوء أخضر أميركي؟ فهل يعقل أن تأتي الولايات المتحدة من جديد لتحجيم قوة إيران إرضاءً للسعودية؟ من السذاجة الإجابة بنعم. لأميركا أغراض أخرى أبعد ما تكون عما تريده السعودية أو غيرها من العرب. هي اليوم معنية بالإيفاء بالتزاماتها لإسرائيل التي كثيراً ما فشل حكام البيت الأبيض في الإيفاء بها. تأتي أميركا اليوم لحماية إسرائيل، وإسرائيل أولاً، أما عن علاقة إيران بأمن إسرائيل، فالمليشيات التابعة لإيران وجدت لنفسها موطئ قدم في سورية، وطبعا ليس لتحرير فلسطين كما تذيع ذلك طهران، وإنما لتحسين موقفها التفاوضي مع الولايات المتحدة. وبالتالي، ما تريده أميركا أولاً من حضورها العسكري هو تحجيم الوجود الإيراني في سورية، وربما إنهاؤه، حماية لإسرائيل.
وتدرك الولايات المتحدة جيداً أنها غير معنية بالوجود السياسي والاقتصادي الإيراني في 
العراق قدر عنايتها بالوجود العسكري المتمثل بالمليشيات المنضوية تحت "الحشد الشعبي". وربما شهدت الأيام الماضية تحرّكات أميركية واضحة في هذا الإطار، فواشنطن تعرف جيداً أن لديها أوراقا كثيرة لتلعب بها من أجل تحجيم الحشد باعتباره قوة عسكرية، ولكن ذلك لا يعني نهاية نفوذ إيران في العراق، فطهران موجودة في العراق بشكلٍ ربما تعجز عنه القوة العسكرية.
أما اليمن، فإن مصير الحوثيين المدعومين من إيران ستحدده لاحقاً المفاوضات التي ستدعمها واشنطن، وسيكونون جزءا من العملية السياسية التي يجب أن تقبل بها السعودية، فالولايات المتحدة أمهلت السعودية والإمارات أربع سنوات من أجل تحقيق نصرهما المنشود على هذه الجماعة، ومع الفظائع الإنسانية التي يرتكبها في اليمن طرفا النزاع، لا يمكن أن يستمر الدعم الأميركي.
الأهم من هذا كله وذاك تمرير صفقة القرن، والتي يبدو أن الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، يدركان أنها في حاجةٍ إلى حدث كبير يمكن أن يشغل الإعلام والرأي العام بها، وليس هناك أفضل من افتعال صراع مع إيران، لتكون الأجواء في المنامة هادئة، ليأتي الشاري ويدفع، ولو لم يحضر المالك الأصلي، فكثيرون ممن اشترتهم أموال الخليج يمكن لهم أن يبيعوا ما ليس لهم، ويقبضوا الثمن كما اعتادوا.