ما بعد كورونا

27 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
مليارات البشر يعيشون اليوم في عزلة إجبارية في منازلهم، على أمل وقف تفشي وباء كورونا. ينشغل العلماء في البحث عن لقاح ودواء ناجع. تجارب التاريخ تقول إن هذا الأمر سيتحقق، سواء استغرق أسابيع أو أشهرا. كبرى مراكز الأبحاث والشركات تعمل ليلاً ونهاراً لتحقيق ذلك. لن تفنى البشرية حتماً. نسبة الذين يموتون جرّاء الوباء، أخذاً بعين الاعتبار ظروف كل دولة، ليست مرعبة إلى الحد الذي يصوره بعضهم. ولذلك فإن التساؤل الأهم: ماذا بعد تجاوز أزمة كورونا؟ 
ينكبّ باحثون سياسيون على رسم سيناريوهات عدة بشأن تأثيرات الفيروس بعيدة المدى على شكل النظام العالمي الحالي، بعدما حضرت الأنانية بشكل رئيسي، وأصبحت الرغبة في البقاء تحتل الصدارة، سواء تطلب ذلك إغلاقاً للحدود بين الدول، أو عزلا بين مناطق الدولة الواحدة، لتجمد في أيام سنوات طويلة من الانفتاح. آخرون يفكّرون كيف ستتبدل العلاقات الدولية، خصوصاً بعدما أظهرت الأزمة الصحية حجم الارتباك في التعامل معها، وغياب التعاون على المستوى الدولي؟ هل ستنهار تكتلات إقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي، أم ستتجاوز المحنة؟ هل ستظهر حركات جديدة متطرّفة في أفكارها متأثرة بأزمة كورونا؟ وإلى أي مدى ستطاول التداعيات الحريات الشخصية، بعدما أصبحت جميع أشكال الرقابة مسموحة لتتبع الوباء؟
جميع هذه التساؤلات مهمة وضرورية، لأن الحياة ستستمر، والتغييرات ستحدث، لكننا على الأرجح لن نشهد انقلاباً كاملاً، لأنه سيكون من الصعب إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، في ما يتعلق تحديداً بسياسات الانفتاح والعولمة. ولذلك الأهم أن أزمة كورونا يفترض أن تكون فرصة لمراجعة السياسات على الصعيدين، المحلي والدولي. من الولايات المتحدة إلى أوروبا وإيطاليا، مروراً بدول أفريقية وعربية، ظهرت الإخفاقات بصور متعددة.
أظهر الوباء حجم الترهل في مستوى القطاع الصحي في غالبية الدول. الضغط غير مسبوق، لكن التعثر في الاستجابة غير مفهوم. تبيّن، في بعض البلدان التي تضم ملايين السكان، أن عدد أجهزة التنفس لا يتعدّى المئات. وذلك يستدعي، بعد التكيف مع إدارة الجائحة وضبطها، إعادة هيكلة القطاعات الصحية في العالم، لأن تكرار هذه الأزمة وارد وفي أي لحظة، والاستعداد للتعامل مع أي طارئ يجب أن يحتل الأولوية.
في دول أخرى، تسرّعت السلطات في اتخاذ إجراءاتٍ استنسختها من دون أن تسأل نفسها ما إذا كانت تلائمها. ماذا يعني فرض حظر التجوال من دون أن تكون المؤسسات الرسمية قادرة ومؤهلة للقيام بدورها في تأمين حاجات المواطنين الأساسية؟ في كندا، خرج رئيس الوزراء، جاستين ترودو، منذ الأيام الأولى، مطمئناً المواطنين أنهم لن يتحملوا عبء الأزمة بمفردهم، وأن الدولة التي يدفعون لها الضرائب ستتحمل جزءاً من التكلفة. وفي فرنسا، سارع الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى وضع ضوابط تحمي المواطنين، وتقلل من حجم الخسائر على الجميع.
على النقيض منذ ذلك، في لبنان، كما دول عدة، يخيّر الفقراء بين الموت جوعاً في منازلهم أو احتمال الإصابة بكورونا. الأول حتمي إذا لم يجدوا ما يسدّون به رمقهم، ومن يبتاع لهم الأدوية، أما الثاني فغير أكيد، وبين الاثنين يختار كثر، عن حق، تعريض أنفسهم لاحتمال الإصابة على البقاء في منازلهم. وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى إعادة الدور الحقيقي للدول، فدولة الرعاية الاجتماعية ليست رفاهية. وقد أعادت أزمة كورونا التأكيد والتذكير بأن دولة الرعاية عنوان الاستقرار والخلاص عند الاستحقاقات المصيرية.