ما بعد كورونا.. أولويات الإصلاح الإعلامي الأردني

25 مايو 2020
الصورة
نقاش حول مستقبل الإعلام الأردني (خليل مزرعاوي/فرانس برس)
دخلت المؤسسات الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية الأردنية والجهات الحكومية ذات العلاقة، في نقاش حول مستقبل الإعلام الوطني الأردني في مرحلة ما بعد جائحة كورونا.
وينصبّ النقاش على عنصرين مختلفين، ولكنهما متشابهان نوعاً ما. فهناك المؤسسات الإعلامية الرسمية الممثلة بالتلفزيون والإذاعة الأردنيين، وفضائية "المملكة"، ووكالة الأنباء "بترا"، إضافةً إلى مؤسسات شبه حكومية، مثل صحيفتي "الرأي" و"الدستور".
في ما يخص المؤسسات التلفزيونية والوكالة الرسمية، هناك توجه للعمل المهني الرشيق دون ازدواجية أو منافسة. فتلك المؤسسات الإعلامية تُموَّل من جيب المواطن بطريقين، أولاً: دينار التلفزيون الذي يُجبى على كل فاتورة لكل شهر ولكل بيت ومشغل أو مكتب في الأردن، إضافةً إلى ما يُخصَّص ضمن الميزانية العامة للدولة الأردنية. وهذا أمر طبيعي ومقبول، بل ومحبَّذ لتنشيط دور مؤسسات الدولة في التنمية والتوعية والمعلومة الدقيقة، دون أن تكون هنالك حاجة لأن تركض إدارات المؤسسات الإعلامية خلف الشعبوية من أجل زيادة دخلها الإعلاني.
وزير شؤون الإعلام الأردني أكد أنّ الشبكة ستحافظ على خصوصية كل من التلفزيون الرسمي والمملكة وبترا، لكن سيكون هناك مجلس واحد مشرف عليها.
إن نجاح الشبكة الإعلامية المقترحة في الأردن، هو في التخصص الإعلامي. فهناك إمكانية، مثلاً، لوجود تلفزيون متخصص بالأخبار مثل المملكة، فيما يكون التلفزيون الأردني منصة عامة تشمل البرامج الترفيهية والخدماتية والرياضية. وكذلك هناك إمكانية لتوحيد الطاقات في حال وجود إدارة عليا للمؤسسات الثلاث دون التدخل في عمل كل منها.
فكرة توحيد مجالس الإدارة الثلاثة في مجلس واحد مهني ورشيق ستوفر من الأموال المهدورة وتساعد في ترشيد عمل المؤسسات لكي تكون مكملة لبعضها وتقدم الرسالة المطلوبة منها، كل في تخصصه. طبعاً، فكرة وجود مجلس واحد لثلاث مؤسسات دولة تفترض أن تكون تلك المؤسسات مستقلة وغير تابعة للحكومة، بل تكون مؤسسات دولة بكل معنى الكلمة، أي إنها تمثل السلطات الثلاث، لا السلطة التنفيذية وحدها، وتعكس اختلاف أبناء الوطن جغرافياً وإثنياً، وتعكس أيضاً النوع الاجتماعي والطبقات المجتمعية المختلفة، وغير ذلك من التنوع الأردني الجميل. فإذا كان الهدف خلق مجلس مستقل لمؤسسات وطن، يجب أن تكون هناك آلية لضمان ذلك التنوع. فمن الخطأ، على سبيل المثال، أن يكون رئيس أو حتى أحد أعضاء مجلس الوزراء أو شخصيات سياسية ممثلة بموقعها، لأن ذلك سينتج منه حرف تلك المؤسسات الإعلامية لخدمة الحكومة، لا لخدمة الوطن.
كذلك ليس من الضرورة وضع شرط أن يكون نقيب الصحافيين في المجلس بصفته النقابية، لأن النقابة لا تمثل غالبية الصحافيين المهنيين اليوم، وهي مشكلة بالأساس من موظفي مؤسسات كان الطابع المهيمن عليها هو الطابع الحكومي.
ولضمان استقلال الشبكة المقترحة، يجب أن تكون هناك آلية معينة لاختيار المجلس الإداري لها. وفي مثل هذه الأحوال، توزع بعض الدول عملية التسمية. فمثلاً، يمكن أن يرشح مجلس النواب عدداً من أعضاء المجلس، ومن الممكن أن يكون هناك تفكير في أن يكون رئيس المجلس قاضياً أو وزيراً متقاعداً ومشهوداً له بالنزاهة واحترام التعددية. ولا شك في أن من الضروري أن يؤدي الديوان الملكي الدور الأبرز في الترشيح والتسميات للحفاظ على الطابع المستقل للمجلس.
أما في ما يخص الصحف اليومية الورقية، فالأردن بحاجة إلى الحفاظ على مؤسسات إعلامية عريقة، مثل صحيفتي الرأي والدستور، لكن ضخ الأموال لدعم مؤسسات دون البحث عن وسائل لتحسين ملحوظ في المنتج الإعلامي يعتبر سوء استخدام لأموال الدولة. وكما قال الوزير أمجد العضايلة في لقاء نظمه مركز حماية وحرية الصحافيين، المطلوب دعم المنتج الإعلامي، لا الميزانيات الخاصة بالمؤسسات. لقد تضخم كادر الصحف اليومية خلال السنوات الأخيرة، ولم يجرِ تحسّن موازٍ في المضمون لذلك التضخم، ما أجبر الدولة على إنقاذها من خلال شراء مؤسسة الضمان الاجتماعي لغالبية الأسهم التابعة لتلك الشركات الإعلامية المستقلة.
أما الآن، وفي ظل ملكية الضمان لأسهم الصحيفتين، فما المانع من الدمج الإداري والإعلاني لهما، مع إبقاء الخط التحريري الحالي. التجارب العالمية، وخاصة في كبرى المدن الأميركية على سبيل المثال لا الحصر، توضح إمكانية الدمج الإداري والاختلاف الصحافي.

فمثلاً، فيلادلفيا انكوير، الصحيفة الأقدم، اندمجت مع فيلادلفيا نيوز، وهي صحيفة الطبقة العاملة. والاندماج في ملكية وإدارة واحدة، تشمل مطبعة واحدة وموقعاً إلكترونياً واحداً ودائرة إعلانات واحدة، في حين الطاقم الصحافي لكل صحيفة مستقل استقلالاً كاملاً عن الآخر. وبما أن مؤسسة الضمان تملك معظم أسهم الصحيفتين، فما المانع من الدمج وفي ذات الوقت الحفاظ على الاستقلالية التحريرية لكل منهما. وحصل الأمر نفسه مثلاً في مدينة ديترويت ومدن أميركية كبيرة. فالمعروف أن في كل مدينة كبيرة، هناك حاجة إلى ما يسمى paper or record أي وسيلة الإعلام الأقدم التي تحافظ على إرث المدينة، وتكون حامية للتاريخ وموثقة لكل ما يجري فيها، فيما تكون الصحيفة الثانية أكثر شعبية وقريبة من الشعب. ويكون الاختلاف أحياناً في الشكل، ما بين الصحيفة العريضة broad sheet والصحيفة tabloid تابلويد. في الأردن، مثلاً، يتذكر الأردنيون شكل الصحف الأسبوعية الطويلة شكلاً، مقابل الصحف العريضة. للعلم، إن صحيفة ديلي نيوز الأميركية بشكل تابلويد، تبيع أكثر من مليوني نسخة، فيما لا يزيد عدد قراء النشرة الورقية من "نيويورك تايمز" على مليون قارئ. ومن الطبيعي في العصر الرقمي أن يزيد عدد قراء نيويورك تايمز حول العالم. فما المانع مثلاً أن تركز "الرأي" على القضايا العامة المحلية والخارجية، فيما تركز "الدستور" على أخبار المحافظات، مع إمكانية تخصيص نشرة يومية لمحافظة من محافظات الوطن؟ ولماذا لا تولي الدستور اهتماماً أكبر بالقصص الإنسانية والتحقيقات الاستقصائية دفاعاً عن المستهلك والعامل والمواطن المقهور كما تفعل أحياناً؟
هناك العديد من الأفكار والإمكانات للحفاظ على مؤسسات الإعلام الرسمية وشبه الرسمية دون المساس بخطها السياسي، لكن الأمر يتطلب شجاعة وتعاوناً مشتركاً بين القائمين على المؤسسات الإعلامية وأصحاب الشأن في الدولة الأردنية. الأمر ليس سهلاً، لكنه ممكن إذا ما توافرت الإرادة، وإذا كان هناك تفهم واضح للتحديات التي تواجه العملية الإعلامية برمتها، الأمر الذي كشفت عنه جائحة كورونا الحالية بوضوح.
سيكون هناك رفض لفكرة التغيير، ولكن إذا كانت هناك إرادة صلبة تهدف في نهاية المطاف إلى حماية أداء المؤسسات الإعلامية وتحسينه، فهناك فرصة نادرة لذلك، ولكن إذا كان الهمّ الوحيد هو الحفاظ على المناصب والرواتب وغيرها من الأمور، فإن السفينة كلها ستغرق. لدينا فرصة لإنقاذ السفن التي تتخاطب الآن، لكن الأمر لن يحدث إذا تمترس كل طرف في موقعه.
تعليق: