ما بعد سقوط الكومبين (17)

26 مارس 2020
+ الخط -
كنت أعقل من أن أظن أن الحياة ستصفو لي إلى الأبد، على الأقل بحكم تجاربي السابقة، لكني ظننت أن الحياة ستصفو لي فترة طويلة، على الأقل حتى أنهي دراستي الجامعية وأتخرج، ولم يكن ذلك ظناً مفرطاً في التفاؤل، فقد تمكنت لأول مرة من الاستقرار في شقة معقولة وقريبة من الجامعة، أسكنها بمفردي دون شركاء مزعجين، ويمكن لي تحمل إيجارها بقليل من التدبير.

بعد انفرادي بشقة الحاجة أم عادل، رفضت عرض محمود الصعيدي بالمساهمة في الإيجار بمبلغ خمسين جنيه شهرياً، مقابل أن أتيح له استغلال غرفة مؤمن، ليذاكر فيها حين يشاء، ويبيت فيها في الليالي التي يعود فيها والده إلى الجيزة، لكي يتجنب الاحتكاك به، خاصة أن والده كان حائزاً على شهادة دكتوراة في الكيد، وكان حرق دم الآخرين من رياضاته المفضلة، وكانت مشكلة محمود الأبرز أنه سريع التأثر بكل ما يقوله أبوه، وبدلاً من أن يتجاهل تلميحاته وتعليقاته، كان يهري وينكت في نفسه على الدوام، مما كان يسبب لأبيه بهجة عارمة، وكنت أخشى أن تؤثر هذه الحالة الدائمة من المناوشات على تركيز محمود الدراسي، فيفشل في اختبارات كلية الحقوق.

لم أكن محتاجاً للمبلغ الذي عرضه محمود، لكني كنت محتاجاً للونس، ولذلك رحبت بإقامة محمود في الشقة، وطبعت له نسخة من المفتاح، وكنت أرحب بإسهاماته العينية في تزويد الشقة بما يجود به من تموين كان يشتري بعضه، ويسرق بعضه الآخر بالعِند في أبيه، ومع أن الأستاذ عبد الحكيم كما عرفت من أبلة عزيزة، كان يعرف أن محمود يقيم في شقتي أغلب الوقت، إلا أنه لم يفتح معي الموضوع أبداً حين كنت ألتقيه بالصدفة، بل وقرر إمعاناً في الاستعباط أن يطلب مني أكثر من مرة إيصال سلامه الحار إلى مؤمن الذي لا يدري لماذا لم يعد يراه الفترة الماضية، وكنت أرد على استعباطه باستعباط أشد منه، فأقول له إن مؤمن هو الآخر يصر كل ليلة على أن يحملني السلام له، ويستغرب لماذا لم يعد يراه مؤخراً.

أتاح لي الاستقرار في شارع المحطة دون إزعاج ولا منغصات فرصة التركيز في مذاكرتي في الأسابيع الأخيرة التي سبقت الامتحان، وتمكنت من أداء امتحانات السنة الدراسية الثانية على أكمل وجه، لكنني للأسف لم أحافظ على مركزي كأول على الدفعة، لأنني نجحت "على الحرُكرُك" في مادة اللغة الإنجليزية التي كنت شديد الضعف فيها لأسباب خَلقية لها علاقة بتعليمي الحكومي الردئ، لكن مجموع درجاتي العالي في بقية المواد جعلني أحصل على المركز الثاني في قائمة الأوائل، فلم أخسر فرصة استمرار الحصول على منحة التفوق الدراسية، والتي كانت بالنسبة لي مسألة حياة أو موت، وبدأت على الفور في أخذ كورسات لتقوية اللغة الإنجليزية في معهد ILI المتفرع من شارع أحمد عرابي في المهندسين، وكانت مصاريفه في متناول اليد مقارنة بغيره من معاهد تعليم اللغة الإنجليزية.


كانت حالتي المادية قد انتعشت، بعد أن بدأت في العمل الصحفي في بعض مكاتب الصحف الخليجية، والتي كانت في ذلك الوقت في عز انتشارها، وكان ما أتقاضاه منها قد ساعدني على تحسين مستوى السينمات التي أدخلها، فبدلاً من الاكتفاء بدور عرض الدرجة الثانية والثالثة التي لم أكن أعرف غيرها منذ عشت في القاهرة، عرفت رجلي طريق سينما التحرير بالدقي التي كانت تعرض أحدث الأفلام الأمريكية أولاً بأول، وسينما كريم بشارع عماد الدين التي قامت بتأجيرها شركة أفلام مصر العالمية التي يملكها المخرج الكبير يوسف شاهين، وكانت تعرض فيها أفلامه من حين لآخر، كما قامت الشركة بافتتاح قاعة صغيرة بعنوان (كريم 2) شاهدت فيها الكثير من الأفلام العالمية المهمة التي كنت أقرأ لها عروضاً مفصلة يكتبها الناقد رؤوف توفيق في مجلة (صباح الخير)، وكنت أحياناً أجد كتابته عنها أجمل منها، بل ووصل بي السفه في الإنفاق إلى أن أتردد على المسرح الخاص مرتين متتاليتين، الأولى لمشاهدة مسرحية (الواد سيد الشغال) لعادل إمام التي كانت تعرض في عامها الأخير في مسرح ليسيه الحرية بوسط البلد، والثانية لمشاهدة مسرحية (وجهة نظر) لمحمد صبحي وعبلة كامل التي كانت تعرض في مسرح الفردوس، ومع أنني في الأولى وجدت تذكرة بالعافية في آخر صف في المسرح، وفي الثانية جلست على كرسي قهوة وضع في ممر في أحد أطراف المسرح، إلا أن تلك الليلتين كانتا من أسعد الليالي التي عشتها في تلك السنة، بل ومن أسعد ليالي حياتي على الإطلاق.

كنت منذ بدأت علاقتي بالقاهرة الكبرى في عام 1991 مدمناً للف والدوران الدائم في شوارعها، لكنني اكتشفت أن اللف والدوران في الشوارع والميادين والحواري، وأنت خالي البال رائق المزاج له طعم خاص يختلف عن طعم اللف والدوران وأنت مغموم متنكّد، حيث يصبح المشي الطويل مجرد بديل عن العودة إلى المطرح النّكِد الذي تسكنه ويشاركك فيه من ينغص عليك عيشتك، وهو ما يختلف تماماً، حين تلف وتدور في الشوارع وأنت بصحبة أصدقاء تحبهم، ليدلك بعضهم على ما لا تعرفه من قهاوي أو مطاعم أو معالم قاهرية، أو تكتشف كل ذلك معهم عبر تجارب تحفل بالكثير من المساخر، التي أصبحت في المستقبل مثاراً لاستدعاء لا تملون منه، ومع أن قائمة أصدقائي كانت قد تضاعفت في ذلك الوقت، فأصبح لدي على الأقل عشرة أصدقاء، دخلت بيوتهم وزاروا شقتي، وأصبح بيننا عيش وملح وقهاوي وحكايات وتشنيعات وأسرار أحياناً، إلا أن علاقتي بناجي ومحمود ظلت الأقوى والأمتن، لكن علاقتي بكل منهما ظلت منفصلة مكانياً، ليغلب على علاقتي بمحمود التسكع الدائم في شوارع الجيزة والمنيل، وتكون شوارع وسط البلد ملعبي المفضل أنا وناجي.

كانت تلك الشهور هي المرحلة الأولى في حياتي، التي تعلمت فيها فكرة تقسيم الوقت بشكل صارم، لكي أستطيع الوفاء بكل ما علي من التزامات وفعل كل ما كنت أخطط له، وكان من أهم ما فعلته وبقي معي أنني بدأت في تخصيص ساعات منتظمة للقراءة، لكي أنجز قراءة ما لدي من كتب، خصوصاً أن زيادة مدخراتي جعلتني زبوناً منتظماً لسور الأزبكية الذي أدركت مع التجربة فنون التعامل مع باعة مكتباته، وأهمية أن تكتم مشاعرك، حين ترى كتاباً كنت تبحث عنه، لتمسك به بطراطيف أصابعك، وتقلب فيه بعض الشيء ثم تطرحه جانباً بعدم اهتمام سيخسف الأرض بسعره، ومع أن مكتبة المجلس الأعلى للصحافة التي كانت متاحة لطلبة كلية الإعلام كانت توفر أحدث الكتب وأهمها أولاً بأول، إلا أن ذلك لم يؤثر على شهوة اقتناء الكتب التي أخذت تتصاعد طردياً مع زيادة الفلوس التي كنت أحصل عليها من عملي الصحفي، خصوصاً بعد أن اتسع نشاطي في العمل كصحفي من الباطن، يقوم بكتابة موضوعات فنية وثقافية، يسلمها بعض زملائي لمكاتب الصحف العربية التي يمتلكون علاقات بمديريها، فينشرونها بأسمائهم ويقومون باقتسام مكافأة الموضوعات معي.

في ظل نشاط مكثف كهذا، انتهت الأجازة الصيفية بأسرع مما تمنيت، وبدأت عامي الدراسي الثالث في كلية الإعلام، الذي بدأت فيه التخصص في دراسة الصحافة التي كانت أقل أقسام الكلية إقبالاً عليها، حيث فضّل أغلب أبناء دفعتي دراسة الإذاعة والتلفزيون أو العلاقات العامة والإعلان، لأن فرص التوظيف فيها أفضل بعد التخرج. كنا قد انتقلنا في ذلك العام من الدراسة في معهد الإحصاء الذي كنا منفيين فيه لعدم وجود مبنى لكليتنا، إلى الدراسة في الطابق الرابع لكلية الإقتصاد والعلوم السياسية التي ظلت لسنوات تستضيف أبناء الفرقتين الثالثة والرابعة من كلية الإعلام، إلى أن يكتمل إنشاء مبنى كلية الإعلام، والذي أصبح معداً لاستقبال الطلبة في العام التالي مباشرة، وكانت دفعتنا أول دفعة تتخرج منه.

كنت حريصاً طيلة تلك الشهور على عدم الاحتكاك بأم عادل وأبنائها تحت أي ظرف، حتى أنني منعت محمود من فتح بلكونة غرفة مؤمن لأي سبب، خوفاً من أن تتكرر واقعة الكومبين بشكل أو بآخر، ومنعاً لأي تساؤلات عن سبب تواجده في الشقة وطبيعة إقامته فيها، وحين كنت أخرج إلى بلكونة غرفتي في ساعات العصاري لأذاكر فيها على أنغام إذاعة أم كلثوم، كنت أحرص على عدم الاقتراب من سور البلكونة، لكي لا يلتقي نظري بأنظار الحاجة أم عادل أو أي من أبنائها الذين يتخذون من البلكونة مرصداً دائماً لمراقبة أحوال العمارة وسكانها والشارع والمارين فيه، ومع أن شقتي كانت مطمعاً لأصدقاء الدراسة للتجمع فيها للمذاكرة والهلس، إلا أنني ألزمت نفسي بفرمان يحرم تجمع أكثر من ثلاثة أشخاص فيها، لكي لا يتسبب الصخب في مشاكل من أي نوع مع الجيران، ليتحول هوسي بتنبيه الزائرين دائماً إلى أهمية خفض أصواتهم ولجم ضحكاتهم، إلى مثار للسخرية من أصدقائي الذين كان يحلو لهم اتهامي بالجبن والخرعنة، إلا أن ذلك لم يوقفني عن الحرص على تصفير المشاكل المتوقعة والتعامل مع شقة الحاجة أم عادل بوصفها كنزاً استراتيجياً يتوقف عليه استمرار تفوقي الدراسي ونجاحي المهني، لكن "كل شيء تغير في لحظة عابرة" على رأي المرحوم أمل دنقل.


كانت سنة 1993 قد شهدت تصاعداً جنونياً في العمليات الإرهابية التي قامت بها الجماعات الجهادية اللعينة، فبعد أن بدأ العام برمي قنبلة على أتوبيس سياحي في القاهرة لم يصب فيها الكثيرون، وقعت في شهر فبراير حادثة تفجير مقهى وادي النيل والتي قتل وأصيب فيها عدد من السياح والمواطنين، ثم ألقيت قنبلة في شهر مارس على مجموعة من الأتوبيسات السياحية الخالية من الركاب خلال توقفها أمام المتحف المصري، وبعدها انفجرت في شهر يونيو عبوة ناسفة قريباً من أتوبيس سياحي في شارع الهرم فقتل مواطنان وأصيب عدد من السياح الإنجليز، لتتكرر بعد ذلك حوادث استهداف الأتوبيسات السياحية في القاهرة، والتي كان أخطرها حادث الهجوم على أتوبيس سياحي بمنطقة جامع عمرو بن العاص في مصر القديمة، راح ضحيته ثلاثة أجانب ومصريان بالإضافة إلى إصابة عدد من السياح والمواطنين، لكن كل تلك التفجيرات لم تحدث تغيراً في طقوس الحياة اليومية في القاهرة الكبرى، إلا حين وقعت في نهاية نوفمبر 1993 محاولة لاغتيال رئيس الوزراء الدكتور عاطف صدقي في شارع الخليفة المأمون بمصر الجديدة، راح ضحيتها طفلة اسمها شيماء وأصيب حوالي 14 من زميلاتها في مدرسة البنات المجاورة لموقع الانفجار.

لم تكن تلك محاولة الاغتيال الأولى التي تستهدف مسئولاً كبيراً في الدولة المصرية، فبعد اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب في عام 1990، تعرض وزير الداخلية حسن الألفي ووزير الإعلام صفوت الشريف لمحاولتي اغتيال فاشلتين تزامنتا مع بداية الولاية الرئاسية الثالثة لحسني مبارك، وعلى عكس الحوادث الإرهابية التي كانت تضرب السياحة في القاهرة والجيزة والصعيد فتثير ضيق الناس وغضبهم، كان أغلب المواطنين يتعاملون مع حوادث استهداف الوزراء والمسئولين باستخفاف، بل وكان بعضهم يطلق النكات التي تلوم الإرهابيين على سوء تدريبهم وفشلهم، وأزعم أن جزءاً كبيراً من أسباب استخفاف الناس بما كان يجري من حوادث إرهابية، كان يعود إلى طريقة تغطية وسائل الإعلام الحكومية التي كانت تحرص على التهوين مما يجري، وتصويره بوصفه حوادث عابرة لن يكون لها أي أثر سلبي على السياحة والاقتصاد.

كنا وقتها نقرأ في الصحف بعد كل حادثة إرهابية كثيراً من الأخبار التي تتحدث عن إجراءات مشددة تقوم بها وزارة الداخلية لإحكام السيطرة الأمنية على مداخل ومخارج القاهرة الكبرى، للتأكد من منع دخول المتفجرات إليها، وعن حملات تفتيش ومداهمة مستمرة تجري للشقق المفروشة في القاهرة والجيزة، للبحث عن وجود مطلوبين أمنيين فيها، وكانت قراءة هذه الأخبار تصيب أمثالي من سكان الشقق المفروشة بالقلق الشديد من زيارات ضباط البوليس المفاجئة التي لا يعلم إلا الله ما ستفضي إليه، لكنني سرعان ما أدركت أن تلك الأخبار كان يتم توزيعها على الصحف من باب الاستهلاك المحلي، بدليل أن شقتنا لم يزرها مخبر أو أمين شرطة ولو لمرة عقب كل الحوادث الإرهابية التي هزت القاهرة والجيزة طيلة عام 1993، وإذا كان ذلك حالنا ونحن نسكن في قلب الجيزة وبالقرب من أكبر محطة قطارات فيها، فكيف سيكون الحال إذن بمن يسكنون في مجاهل عشوائيات الجيزة التي كان بعض سكانها يتفاخرون بإن "إبليس خبّى عياله فيها"، والتي كان دخول بوكس الشرطة إلى بعض شوارعها حدثاً مذهلاً، قد يراه البعض مرة واحدة في حياته.

ما قامت شيماء رحمها الله بتغييره، هو أن المواطنين المفجوعين بما جرى لها، والذين أدركوا اقتراب الخطر منهم على عكس ما تقوله وسائل الإعلام الحكومية، وبدأوا يتوقعون كوارث مشابهة لأبنائهم وبناتهم، لم يعودوا يتسامحون مع تدخل الحكومة "الفشنك" لمداهمة الشقق المفروشة، بل قرروا أن يقوموا بإبلاغ أقسام الشرطة بانتظام عن الشقق المفروشة الموجودة في عماراتهم، والتي لم يكن ملاك العمارات يقومون بإخطار أقسام الشرطة بها، خوفاً من أن تستهدفهم الضرائب، وحين كانت أقسام الشرطة تتأخر في مداهمة العمارات، كان السكان يتصلون بالصحف الحكومية والحزبية للإبلاغ والاستغاثة، ووجدت أجهزة الأمن نفسها مضطرة تحت زيادة الضغط الإعلامي عليها، للقيام بحملات فعلية على الشقق المفروشة لفحص موقفها القانوني والتأكد من خلوها من الإرهابيين، ولأن الحاجة أم عادل كانت تمتلك علاقات وثيقة بعدد من رجال الأمن البواسل، فقد بادروا إلى تحذيرها من حملات المداهمة القادمة، وطلبوا منها أن تبادر بتسجيل ما تؤجره من شقق وغرف في عمارتها، وهو ما لم يكن أي منا ليمانع فيه، حتى لو أدى إلى زيادة طفيفة في الإيجار، لكن أم عادل اعتبرت أن قيامها بتلك الخطوة سيفتح أعين الضرائب عليها من وَسَع، وسيدفع إلى محاسبتها بأثر رجعي عن السنين الطويلة التي قامت فيها بالتأجير من وراء ظهر الحكومة، ولذلك قررت أن الحل الأمثل هو الطرد الفوري لكل المستأجرين الموجودين في شقق العمارة وغرفها، وترك مطارحهم خاوية على عروشها حتى تمر الأزمة ويعود كل شيء إلى حاله.

لم تلجأ أم عادل إلى أي قدر من اللطف في إبلاغ مستأجري مطارح عمارتها المفروشة بقرار الإخلاء الفوري الذي أصدرته دون تمهيد، فقد اختارت عادل أرخم وأغتت أبنائها لكي يحمل النبأ الصادم للجميع، ولأن أياماً قليلة كانت تفصلنا عن قدوم شهر ديسمبر، لم يكن هناك مجال للحديث عن استرجاع قيمة إيجار شهر نوفمبر أو أي قدر منه، وحين تصورت أن قليلاً من الفلحسة قد يكون نافعاً في ظرف كهذا، فقلت لعادل إنني طالب إعلام وصحفي تحت التمرين، ويمكن لمهنتي المقدسة أن تنفعني في التعامل مع أي زائرين مفاجئين من قسم الشرطة، شخط الغتيت في بعزم ما فيه، وقال لي إنه لم يأت للتفاوض معي، وأن الإخلاء سيتم في الصباح بالقوة الجبرية التي لم يحدد ألياتها، وأن كل من سيتراخى في تنفيذه، سيتم تسليمه إلى البوليس بوصفه مشتبهاً به في تنفيذ عملية إرهابية، ومع أن ذلك التحذير كان مليئاً بالثغرات المنطقية، خاصة وأم عادل لم يكن لها مصلحة في إثارة أي مشاكل تجيب لها الكلام، إلا أن الأمر لم يكن يحتمل أي قدر من الجدل، خصوصاً بعد ما كنا نسمعه في تلك الأيام عن ازدياد حالات القبض العشوائي على سكان الشقق المفروشة من الشباب خصوصاً، وإيداعهم السجون حتى يبان لهم أصحاب.

وهكذا وجدت نفسي وقد عدت في نهاية العام، إلى نقطة الصفر التي أعقبت سقوط الكومبين في مطلع العام، فلم أهنأ بالاستقرار الذي تصورت أنه سيدوم، لكن حل أزمتي لم يتأخر هذه المرة، بل جاء بأسرع مما توقعت، وكنت أظن أنني حسن الحظ بقدومه السريع، ولذلك لم أتردد في قبوله، فور أن أبلغني محمود به، وأخذت أشكر الله على أنه رزقني بمحمود جلّاب الخير الذي طمرت فيه العِشرة والعيش والملح، والذي أرسله الله إلي في الوقت المناسب، ليجنبني بهدلة البحث عن سكن قريب من الجامعة، مع أنني كان ينبغي أن أكون قد تعلمت أهمية التأني قبل اتخاذ القرارات، لأن "سوء الظن من حسن الفِطَن".

...

وللحكاية بقية الأسبوع القادم بإذن الله.