ما بعد بوتفليقة

22 فبراير 2019
الصورة
+ الخط -
حين رحل الرئيس الجزائري الأسبق، هواري بومدين، في نهاية عام 1978، كان على رأس السائرين في جنازته وزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة، والذي تولى كلمة التأبين الرسمية أيضا. وكانت هذه الإشارة تعني، حسب البروتوكول السوفييتي، أنه سيكون الخلف في المنصب، لكن الجنرالات خالفوا القواعد السوفييتية، واختاروا عسكريا محترفا هو العقيد الشاذلي بن جديد، المتحدر من منطقة الشرق، مركز الثقل في الجيش الجزائري. وبذلك طارت فرصة العمر من طريق العقيد محمد صالح يحياوي وعبد العزيز بوتفليقة الذي كان أصغر المقاتلين من التيار المدني في صفوف جبهة التحرير. وفي حين بقي يحياوي ضمن مراكز القرار، اختفى بوتفليقة من الساحة، وخضع لمحاسبةٍ وصلت إلى حد سحب منزله الخاص ومصادرة ممتلكاته، وبقي يعيش في إقامة شبه جبرية حوالي خمس سنوات، ولم يُسمح له بحرية الحركة إلا بعد أن عفا عنه بن جديد الذي لم يكن المسؤول عن المعاملة السيئة التي لاقاها بوتفليقة، وإنما يعود الأمر إلى صراع الأجنحة داخل المؤسسة العسكرية والحزبية صاحبة القرار. ولاحقا تحدث بوتفليقة، في جلسة خاصة في صنعاء، عن تصفية حساباتٍ تعرّض لها، ومشروعه للعودة إلى الجزائر رئيس إنقاذ. وكان ذلك في صنعاء في بيت محمد سالم باسندوة عام 1993 الذي كان وزيرا للخارجية في اليمن. ويومها سلم باسندوة لبوتفليقة جواز سفر يمنيا دبلوماسيا، لمساعدته على العمل في إحدى منظمات الأمم المتحدة التي كانت تشترط الجواز الدبلوماسي، ولكن الأقدار وجهت سفينة بوتفليقة صوب رئيس الإمارات، الشيخ زايد بن سلطان، الذي عينه مستشارا خاصا، ومنحه مزرعةً في مدينة العين، بجوار التي كانت قد أهديت لرئيس اليمن الجنوبي السابق، علي ناصر محمد، وقد استعاد ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، المزرعتين بعد رحيل والده بفترة قصيرة.
وصل بوتفليقة إلى السلطة في صيغة تسويةٍ بين أطراف المؤسسة العسكرية في عام 1999. وفي نهاية الولاية الرئاسية الأولى عام 2004، لم يكن قد تمكّن من تثبيت وضعه بعد، على الرغم من أنه سياسي بارع في لعب أوراق الحكم. ولم يكن واثقا بأنهم سوف يجدّدون له في الولاية الثانية أمام منافسه القوي، المرشح علي بن فليس، وظل حتى اللحظة الأخيرة يحسب خط الرجعة، ولذلك أجرى إصلاحات كبيرة في مزرعة العين، وكان ذلك إشارة إلى أنه ربما يغادر السلطة، ويعود إلى العيش خارج الجزائر، ولكن الجنرالات رأوا ضرورةً في استمراره ضمن منطق التسوية التي جاءوا به على أساسها. وفي الولاية الثانية، بدأ عهد بوتفليقة القوي، فاستطاع أن يشتغل لحسابه، فقام بالتحكم بقواعد اللعبة بقوة، وأبدى قدرةً كبيرةً على المناورة ليضعف المؤسسات الثلاث، العسكرية والأمنية والحزبية، وأخذ بتشكيل مركز قوة خاص به وفريقٍ يحكم من خلاله.
بات هذا الفريق هو الذي يحكم منذ مرض بوتفليقة، وتراجع قدراته الصحية في صورة ملحوظة منذ خمس سنوات، ولكن الرئيس المريض بقي في الواجهة، لأنه لا يزال يمثل حصيلة مجموعةٍ من المصالح ومراكز القوى. ويدلّ ترشيحه اليوم لولاية رئاسية خامسة على عدة أمور في وقت واحد. أولها أن مراكز القوى هي التي لا تزال تتحكّم بالبلد، وهي غير متفقة على خليفة لبوتفليقة. والثاني أن المرحلة المقبلة دقيقة جدا، فإما أن تتفق مراكز القوى على خليفة، أو أن يخرج الخلاف بينها إلى العلن، وربما يقود إلى نزاع. الثالث أن مراكز القوى ليست محليةً فقط، بل هي نتاج زواج مصالح داخلية وخارجية في بلدٍ على درجة كبيرة من الأهمية، ويحفل بمشكلات سياسية واقتصادية كثيرة مؤجلة تنتظر اللحظة المناسبة، كي تأخذ طريقها إلى الواجهة.