ما بعد الاتفاق النووي

22 يوليو 2015
الصورة
لم يشكل توقيع الاتفاق، بين إيران ودول "5+1"، في فيينا، مفاجأةً على أي صعيد، فقد سبقه اتفاقٌ إطاري قبل ثلاثة أشهر، مهّد الطريق، وأوضح للجميع أن تسوية الملف النووي الإيراني باتت مسألة وقت. من بعد الاتفاق، انطلقت المواقف، إيجاباً وسلباً، بناءً على خلفيات سياسية مختلفة لمُطلقي المواقف، ثم بدأت التكهنات حول دور إيران الإقليمي بعد هذه الصفقة، ومدى إمكانية نشوء تحالفٍ بين طهران وواشنطن، وما إذا كانت الولايات المتحدة قد استبدلت أصدقاءها في المنطقة، بحلفٍ مع الإيرانيين، وما بين اتهام الرئيس الأميركي، باراك أوباما، بالسذاجة، أو الخيانة، ومعايرة الإيرانيين بالتخلي عن الشعارات الثورية في وجه الشيطان الأكبر، تكمن تفاصيل أكثر تعقيداً من هذا النوع من التحليلات.
الرئيس الأميركي يُهاجَم من المحافظين، ومن مجموعة من الكتّاب والإعلاميين العرب، لأنهم يعتقدون أنه فرّط وتنازل أمام إيران، وربما كان بعضهم يود لو خاضت أميركا حرباً ضد إيران، لكن أوباما، كما يقول في دفاعه عن الاتفاق، تمكن من الحصول على ضماناتٍ صارمة بعدم سعي إيران للحصول على قنبلة نووية، وبغض النظر عن كل قضايا الخلاف الأخرى مع إيران، فإن الاتفاق معني فقط بمسألة الحصول على السلاح النووي، وما دامت إيران قد تعهدت بقبول القيود على تطوير برنامجها النووي، فأوباما وفريقه سيسوّقان هذا الأمر باعتباره المنجز الملموس الأهم للأميركيين، خصوصاً أنه جاء من دون حرب مكلفة، إضافة إلى ما يُقال عن رغبة أوباما في خلخلة النظام الإيراني من الداخل، عبر مساهمة الاستثمارات والانفتاح على السوق، في إيجاد حالة وازنة، أقل راديكالية داخل النظام، أو تشجيع فئات واسعة من المتعطشين للرفاه، والمتأثرين بالثقافة الغربية، للتمرد على المنظومة القائمة، وإن كانت قدرة هذا الرهان على النجاح غير معلومة، خصوصاً أنه يحتاج إلى وقت لتثبت صحته من عدمها.

لكن، من الواضح أن الإيرانيين كسبوا الكثير، في مقابل تقييد برنامجهم النووي، وبعيداً عن التفاصيل التقنية، يشكل رفع العقوبات، وتقييد عودتها مرة أخرى، مكسباً كبيراً لإيران التي عانت من سلسلة من العقوبات المختلفة في السنوات الماضية، وسيمكنها هذا الأمر من تحسين أوضاعها الاقتصادية، واستعادة أموالها المحجوزة، وجذب استثمارات كبيرة. وعليه، ستكون أكثر ارتياحاً في أداء أدوارها الإقليمية. وهي اليوم، بعد هذا الاتفاق، قوة إقليمية معترفٌ بها من القوى الدولية. يميل كثيرون إلى عقد مقارنة بين تفاهم الرئيس نيكسون مع الصين في السبعينيات، وما يفعله أوباما مع إيران، وعلى الرغم من الاختلافات التفصيلية، فإن تشابهاً ما يمكن رصده بالفعل، إضافة إلى أن الاتفاق مع إيران يعني اعترافاً أميركياً بشرعية النظام الإيراني، وهو أمرٌ غائب منذ انتصار الثورة الإيرانية على نظام الشاه، وحصار الطلاب الإيرانيين السفارة الأميركية.

الفزع الأكبر من الاتفاق من نصيب الإسرائيليين بلا جدال، فالسياسيون الصهاينة، على اختلافهم، يجمعون على سوء الاتفاق، وآثاره السلبية على إسرائيل، وهو وإن كان يقيّد البرنامج النووي الإيراني، بما يمنع إيران من صناعة قنبلة نووية، إلا أنه يحقق مكاسب استراتيجية لإيران، من دون أن يمنعها من التحول إلى دولة "عتبة نووية"، إذ إنها قادرة على إنتاج دورة الوقود النووي كاملة بجهدٍ ذاتي، وهي تحتاج الآن لما يقارب السنة لصناعة قنبلة انشطارية، بعد أن كانت المدة ثلاثة أشهر قبل الاتفاق، وتقييد بعض الأنشطة بحسبه. وللفزع الإسرائيلي أسبابه المتعلقة بغياب تنازلات إيرانية تجاه إسرائيل في الاتفاق، وقد استاء نتنياهو من عدم انتزاع اعترافٍ إيراني بوجود إسرائيل، وبكاء الثكالى الذي يُظهره بعد الاتفاق لا يعبر فقط عن شعورٍ بالفشل، وخيبة الأمل من الحلفاء، بل هو محاولة لانتزاع تعويضٍ على شاكلة مزيد من المساعدات العسكرية، وتظهير التزام أميركي أكبر بأمن إسرائيل، ونتنياهو يعرف جيداً أن معركة الكونغرس التي سيخوضها لعرقلة الاتفاق ليس لها آمال كبيرة بالنجاح، لكنه سيستفيد من ذلك ضغطاً على الإدارة الأميركية، ودفعاً لها لمزيد من المساعدة، في مواجهة واقعٍ جديد، يفرضه الاتفاق على المعادلات الإقليمية.
أما العرب، على اختلاف ترحيبهم أو انزعاجهم من الاتفاق، فطالما أنهم لا يمتلكون رؤية ولا مشروعاً، يرسم نقاط اتفاقٍ واختلاف مع الإيرانيين (والأتراك أيضاً)، ويحمل مسؤولية المواجهة مع إسرائيل، بدلاً من ترك فراغٍ في هذه المسألة يملأه الإيرانيون، فلن يكون أمامهم خيارات كثيرة في معادلات المنطقة المستقبلية، خصوصاً وهم يرون مصدومين حجم المرونة الأميركية مع "العدو الإيراني"، وانسحاب الأميركيين من تفاصيل كثيرة في المنطقة، بفعل عوامل عديدة.
لم ينته العداء بين أميركا وإيران، وهذا ما حرص أكبر المسؤولين في البلدين على تأكيده بعد توقيع الاتفاق، لكن إيران تتحول من محور الشر إلى دولة منافسة، يمكن التفاهم معها في بعض الملفات، أما الحديث عن تحالف بين الطرفين، فهو أمر مستبعد. الاتفاق، على الرغم من أنه ينحصر في قضية الملف النووي، فهو سينعكس على معادلات الإقليم، وهذا ما ستتبدى تفاصيله في المرحلة المقبلة التي ستشهد مزيداً من الصراعات، في إطار محاولة كل الأطراف تحسين مواقعها ومكاسبها، في المخاض الذي نشهده في منطقتنا.

تعليق: