ما بعد إدلب: المنطقة العازلة واحتواء "النصرة" أو شقّها

02 مايو 2015
الصورة
منعطف حاسم أمام مستقبل الشمال السوري (صالح محمود ليلى/الأناضول)
+ الخط -
حقّقت فصائل المعارضة السورية المسلحة في شمال البلاد تقدماً كبيراً بعد سيطرتها على معسكر القرميد الاستراتيجي ومدينة جسر الشغور، خط الدفاع الأول لقوات النظام عن منطقة الساحل، وأهم خطوط إمدادها باتجاه نقاط تجمّعها في محافظة إدلب.

يُرجّح أن تبدأ الفصائل معارك إسقاط ما تبقّى من مواقع عسكرية لقوات النظام في محافظة إدلب، كمعسكر المسطومة ومدينة أريحا ومطار أبو الظهور، بالإضافة إلى بلدتي الفوعة وكفريا المواليتين. ومن شأن هذه الخطوة أن تضع محافظة إدلب كلها خارج سيطرة النظام، الأمر الذي يفتح المجال أمام احتمالات عدة، سواء على الصعيد الميداني، لناحية المسار المستقبلي للمعارك، أو على الصعيد السياسي وكيفية ترجمة الانتصارات العسكرية في موازين القوى السياسية التفاوضية المحتملة.

وتزامنت انتصارات المعارضة مع تطورات سياسية شكّلت تحوّلاً في سياسات معظم الدول الفاعلة بالقضية السورية. تقدّم الدور السعودي بشكل كبير، في إطار سعي المملكة وقطر إلى توحيد المعارضة من خلال مؤتمر الرياض، لربط الفصائل المسلحة على الأرض بعنصر سياسي يتمكن من تنفيذ مخرجات أي اتفاق سياسي يمكن أن يحصل. كذلك تبدو الفرصة مناسبة للجانب التركي، من أجل تنفيذ خطته التي طرحها منذ بداية الثورة السورية، والقائمة على إنشاء منطقة آمنة في شمال سورية.

يتفاءل كثيرون بأنه يُمكن استثمار أولى نتائج الانتصارات التي حققتها المعارضة في الشمال السوري سياسياً، من خلال مفاوضات "جنيف 3"، الذي سيبدأ في الرابع من مايو/أيار الحالي، والتي تُشكّل قوة تفاوض كبيرة لدى المعارضة، كما تجبر النظام على التخلّي عن تعنّته خلال المفاوضات.

اقرأ أيضاً: النظام السوري يفقد عشرات من عناصره بمعارك سهل الغاب

وساهمت الانتصارات العسكرية في تغيير لهجة بعض الدول تجاه النظام، خصوصاً الولايات المتحدة، التي أكدت مجدداً على عدم وجود أي دور مستقبلي لرئيس النظام السوري بشار الأسد في المرحلة المقبلة، بعد تراجع خطابها في شأنه، خلال الفترة التي سبقت الانتصارات. وأدّت التطورات الميدانية أيضاً إلى فقدان شركاء النظام الإيرانيين والروس، ثقتهم بقدرته وبتبادل اتهامات بين دمشق وطهران حول مسؤولية الإخفاق الكبير.

وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات فعلية تشير إلى نية تركيا الدفع نحو منطقة عازلة في القريب العاجل على الأقل، فقد تستغني الحكومة التركية عن الغطاء الدولي، بإقامة المنطقة بغطاء عربي خليجي. وتُبرر تركيا حاجتها إلى هذه المنطقة، بازدياد أعداد اللاجئين فيها، كما أن هناك مناطق خارجة عن سلطة النظام في الشمال السوري، تُشكّل أرضية مناسبة لقيام مثل هذه المنطقة، والتي يبدو أن أحد أهم مستلزماتها، يكمن في تحويل المعارك باتجاه مدينة حلب وتحقيق نصر حاسم، يحدّ من قوة النظام فيها على الأقلّ، في حال لم يُطرد نهائياً من المدينة.

ويرى رئيس تحرير صحيفة "تمدن" المعارضة دياب سرية، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "ما حصل من تقدّم ميداني على جبهات القتال في الشمال السوري، تحديداً في إدلب، هو نتيجة للتنسيق التركي ـ العربي الخليجي، بما يخصّ الملف السوري".

ويتوقع سرية أن "يُترجم هذا التنسيق في بناء جسم عسكري موحّد بغرفة عمليات موحّدة، تجمع كل فصائل المعارضة في الشمال السوري، على غرار ما حصل في الجبهة الجنوبية، وقد يكون حاملَها السياسي، جسم سياسي جديد، ربما يتمخّض عنه مؤتمر الرياض، الذي يجري التحضير له حالياً".

وتوقّع أن "تنتقل المعارك بعد محافظة إدلب إلى محافظة حلب، التي يُعتقد أن يسبب انتقال المعركة إليها إفشالاً لمخطط المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، حول تجميد القتال في المدينة، ويعطي المعارضة عوامل قوة إضافية في مفاوضات جنيف 3".

من جهته، يرى المحلل العسكري العميد الركن أحمد رحال، أن "يكون السيناريو الأقرب بعد السيطرة على محافظة إدلب، هو فتح معركتي حلب وحماه، من أجل قطع خطوط الإمداد البشرية والعسكرية عن النظام في الساحل، بحكم تشكيل منطقة الغاب خزاناً بشرياً لعناصر الشبيحة".

ويتابع في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، قائلاً، إن "خيار تحوّل سير المعارك نحو الساحل دقيق للغاية، بسبب المخاوف من أن تؤدي إلى حرب طائفية، بسبب التباين الطائفي الكبير في المنطقة، فتظهر بالتالي الحرب فيها وكأنها موجّهة ضد الأقليات". إلا أن رحّال أكد أن "غرف العمليات هي التي تحسم الوضع، بحسب المستجدات".

وأضاف أن "التقدم الذي حصل في إدلب، تمت ترجمته سياسياً بتغيّر واضح في اللهجة الأميركية، بعد تراجع الموقف الأميركي من الأسد، فمندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، أكدت أنه لا مكان للأسد في المرحلة المقبلة".

ويبدو أن إشراك "جبهة النصرة"، المُصنّفة كتنظيمٍ إرهابي من قبل الولايات المتحدة، في معظم العمليات العسكرية، وتحقيقها انتصارات قد تزيد من شعبيتها، مخالفٌ لمنطق الأحداث كون الجبهة لا تعترف بأية جهة سياسية تمثيلية من المعارضة، غير أن التوجه الدولي العام اقتنع خلال الفترة الماضية بضرورة تحقيق نصرٍ على النظام، اعتماداً على القوى الموجودة على الأرض، بغضّ النظر عن توجّهاتها، على أن يجري العمل بعد العمليات العسكرية على حلّ المشاكل العالقة بشأن توجّهات كل فصيلٍ، والذي يبدو أن توجّه "جبهة النصرة" أهمها.

ووفقاً لمصادر مطلعة عدة، هناك سيناريوهان لحلّ "عقدة النصرة". يفيد السيناريو الأول بإجراء تغيير داخل الجبهة، ودفعها باتجاه فك ارتباطها عن تنظيم "القاعدة"، وتحويلها تدريجياً من مشروع جهادي إلى مشروع وطني سوري، لناحيتي الخطاب وجدول الأعمال والنظرة إلى الطوائف والمذاهب السورية ومستقبلها بعد إسقاط النظام، وذلك بالاعتماد على العناصر السورية القيادية في الجبهة على حساب "المهاجرين" الأجانب. المشروع قديم وهو من بنات أفكار عدد كبير من أصحاب القرار في الدول العربية والغرب. لكن الجديد هو ما يتناقله معنيّون مباشرون بالملف، عن احتمال دخول الأتراك في هذه الجهود للمزيد من "سورنة" جبهة النصرة، وهنا أيضاً قد ينعكس التقارب التركي ــ السعودي على هذه الجهود من خلال ضبط فصائل عسكرية سورية والعمل عبر وسطاء على "النصرة" إما لتغيّر سلوكها وخطابها، أو لشق صفوفها جدياً.

وعلى الرغم من نفي "جبهة النصرة" نيّتها فك ارتباطها بـ"القاعدة"، فقد تتمكّن الدول الفاعلة في الملف السوري، من خلال التحكم بدعم الفصائل ضمن غرفة عمليات "جيش الفتح"، من دفع العناصر التي تميل إلى الانفصال عن "القاعدة"، إلى اتخاذ قرار بالانفصال.

أما السيناريو الثاني في فك ارتباط "النصرة" عن "القاعدة"، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، فيقوم بالاعتماد على "القاعدة" بحد ذاته، عبر إدخال فصيل من التنظيم إلى سورية، وطلبه البيعة من "جبهة النصرة"، ليكون بالتالي ممثلاً لـ"قاعدة الجهاد في سورية". ومن المتوقع أن يلقى الأمر رفضاً من "النصرة"، ويدفعها باتجاه رفض البيعة وفك الارتباط بـ"القاعدة"، أو على الأقلّ يؤدي إلى شقّ صف الجبهة، ويدفع المكوّن الأعظم من التنظيم، أي العناصر السورية، إلى فك الارتباط، فيما يبايع العناصر التي جاءت أصلاً من التنظيم، الفصيل الجديد.

اقرأ أيضاً سورية: المعارضة تسعى إلى منطقة تربط ريفي إدلب وحماة

المساهمون