ما الذي يجري في ليبيا؟

18 يونيو 2020
الصورة
اتصفت ثورة الشعب الليبي، منذ انطلاقها في 17 فبراير/ شباط 2011 في إطار ثورات الربيع العربي، بسمات خاصة، ميّزتها عن باقي ثورات الشعوب العربية في حينه، حيث لم تكن هناك قوة سياسية منظمة، بشكل أو بآخر، خلف الحراك الثوري، فلم تكن هناك تنظيمات سياسية، أو حركات معارضة، تدعو إلى الثورة أو تحرّض من أجلها. بدأت الثورة بتحرّك تلقائي عفوي من جماهير الشعب، مثّل الشرارة التي انتشرت بسرعة كبيرة، على امتداد ليبيا باتساعها، حتى وصلت إلى قلب العاصمة طرابلس. كما أن الثورة الليبية وحدها، من بين ثورات الربيع العربي الخمس التي قامت في بلد نفطي، لا يعاني من مشكلات اقتصادية حادّة، على الرغم من وجود سوء في توزيع الثروات النفطية. الأمر الثالث، ويعتبر مفاجأة، أن تلك الثورة كانت ضد حكم معمر القذافي وسلطته ونظامه الذي كان قابضاً على زمام الأمور 42 عاماً متصلة، لم يشهد فيها أي حراك شعبي مناهض له. وهذا بالتحديد ما أصاب القذافي بحالة من الهياج الشديد، وفقد التوازن، وعدم التصديق، والإنكار، حتى إنّه أطلق صيحته الشهيرة موجهاً حديثه إلى الثوار: "من أنتم؟"، صارت مثلاً، ما دفعه إلى استخدام القوة المسلّحة ضد الثوار، بما في ذلك القوات الجوية. الأمر الرابع، وانفردت به ثورة الشعب الليبي، الموقف الدولي، وبعض الأطراف الإقليمية العربية، إذ بادرت الولايات المتحدة والغرب إلى اتخاذ قرار سريع بتدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بقوة جوية لمساندة الثوار الليبيين، وتوفير الحماية لهم في مواجهة قوات القذافي وطيرانه، وشاركتها قوات جوية عربية، خصوصاً من الإمارات وقطر.
انتهى الحال بفشل القذافي، نحو ثمانية أشهر، في إحباط الحراك الثوري الليبي، والذي اشتدّ مع الدعم العسكري الخارجي، وكانت النهاية المأساوية للرجل، بمقتله على يد الثوار، يوم 20
 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، خلال محاولته الهروب. سقط القذافي ونظامه في ذلك اليوم. ولكن، وكما سقطت نُظم عربية أخرى في بلدان الربيع العربي، لم يعنِ ذلك وصول الثوار إلى السلطة، أو نجاح تلك الثورات، فسرعان ما ظهرت مجموعات "النُخب" التي تصدّرت المشهد، ورفعت شعارات الثورة، كما تحرّكت قوى المصالح الأجنبية، الإقليمية والدولية، وبدأت الصراعات، وتم استدعاء النعرات الطائفية، والقبلية، والمناطقية، ودخلت على الخط جماعات متطرّفة، إرهابية، من تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة وغيرهما.
على مدى قرابة تسع سنوات جرت على الرمال الليبية أنهار من الدم الليبي، ونُهبت ثروات الشعب، وتداخلت المصالح ما بين قوى انتهازية داخلية، تحالفت مع فلول نظام القذافي، ولعبت على أوتار القبائلية والمناطقية. وتدخّلت قوى إقليمية، منها ما هو صاحب مصالح مشروعة، كدول الجوار الليبي المباشر، خصوصاً مصر وتونس والجزائر، ومنها ما يهدف إلى تحقيق مصالح، أو توسيع نفوذ إقليمي، كالإمارات والسعودية. والأهم دور القوى الدولية المعنية بليبيا، دول جنوب أوروبا، المتشاطئة مع ليبيا، على الساحل الشمالي للمتوسط، وصاحبة المصالح المباشرة في ليبيا، خصوصاً فرنسا وإيطاليا، وبطبيعة الحال أميركا وروسيا.
من دون تفاصيل كثيرة، في السنوات التسع منذ سقوط نظام القذافي، وصلت الأمور إلى حالة من الانقسام الداخلي والاستقطاب الخارجي، وتبلور على الأرض محوران: واحد تمثّله حكومة الوفاق الوطني في طرابلس الغرب العاصمة، وهي المنبثقة عن اتفاق تم عقده في مدينة الصخيرات المغربية، بإشراف أممي، وهي المعترف بها دولياً، وتساندها قوى قبلية، ذات طبيعة مناطقية في الغرب الليبي، ولكنها تفتقد الظهير الإقليمي من دول الجوار، وخصوصاً مصر. والمحور الثاني يمثله الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، والمستند إلى ما تبقّى من البرلمان الليبي في طبرق، ويستمدّ من هذا شرعيته، باعتباره قائداً للجيش الوطني الليبي، طبقاً لقرار ذلك البرلمان. ويتمركز المحور في إقليم برقة، أو المنطقة الشرقية، في طبرق وبنغازي، وهي المنطقة المتاخمة للحدود المصرية، الممتدة على مسافة حوالي 1200 كم. ويعتمد هذا المحور على ظهير من بقايا كتائب القذافي، ومليشيات قبلية، كما أنه مدعوم من مصر دولة الجوار المباشر، ومن الإمارات والسعودية وفرنسا.
مدعوماً من برلمان طبرق، قرّر حفتر، في إبريل/ نيسان 2019، شنّ عملية عسكرية شاملة، 
تنطلق من المنطقة الشرقية، بغرض الاستيلاء على العاصمة طرابلس، وفرض السيطرة على كامل التراب الليبي، بدعوى وحدة ليبيا، والقضاء على الجماعات الإرهابية. ووجد حفتر دعماً من القوى المساندة له، واستخدم كل الإمكانات العسكرية المتاحة له. واستعان، في هذا الإطار، بعناصر من المليشيات المحلية والمرتزقة، خصوصاً من الجنجويد السودانية، ومن تشاد. وعلى مدى أكثر من عام، تمدّد حفتر غرباً، واستولى على بلدات عديدة، ومناطق شاسعة، ووصل إلى تخوم العاصمة طرابلس، بعد أن احتلّ أجزاء من مطارها الدولي، وأصبحت العاصمة بمؤسساتها في مرمى نيرانه. وفي محاولته حسم معركته، استعان بروسيا، باستخدام قوات تنظيم ڤاغنر العسكرية الخاصة، ذات الخبرة القتالية الواسعة، في أوكرانيا وأفريقيا وسورية.
سواء كان حفتر، ومن يدعمونه، يدركون خطورة الخطوة التي أقدم عليها، باستدعاء الدب الروسي إلى شرق المتوسط على الساحل الجنوبي، المواجه لجنوب أوروبا مباشرة، وهي ليست منطقة أمن قومي للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو فقط، بل أيضاً، تمسّ الأمن القومي الأميركي، سواء كان لديه إدراك لخطورة تلك الخطوة، أو لم يكن، فقد جرى تدخل مباشر من تركيا، وهي بالطبع ثاني أكبر قوة في حلف الناتو. وبدأ التدخل بشكل ناعم في البداية، عبر عقد اتفاق، أو بروتوكول تعاون ما بين الحكومتين التركية والوفاق الوطني الليبية، باعتبار الأخيرة الحكومة الشرعية، من شقين، اقتصادي يتعلق بترسيم الحدود البحرية بين الدولتين، وأمني، وهو الأهم هنا، فقد تضمّن دعماً عسكرياً مفتوحاً لحكومة الوفاق في مواجهة كل العدائيات.
وانتقلت الكرة بسرعة، من بين أقدام اللاعبين السابقين، حفتر ومن يدعمه من جانب، وحكومة الوفاق من جانب ثانٍ، إلى أقدام تركيا، مدعومة من "الناتو" وأميركا وروسيا. ولم تمض بضعة أسابيع، حتى تغيّر الموقف الميداني تماماً، طاردت قوات "الوفاق"، بعد دعمها عسكرياً، قوات حفتر التي تخلت عنها قوات ڤاغنر الروسية، ونجحت في إزاحتها مسافة تجاوزت 860 كم شرقاً، واستعادت بلدات المنطقة الغربية، وقواعدها، ووصلت حتى مشارف مدينة سرت، وقاعدة الجفرة الاستراتيجية، وسط ليبيا، وتوقّفت لتلتقط أنفاسها، ولتعيد كل الأطراف حساباتها.
تبقى أسئلة شديدة الأهمية: هل تأخر العرب كثيراً، خصوصاً دول الجوار المباشر في اتخاذ المواقف الصحيحة تجاه الشعب الليبي؟ هل انشغل الليبيون بالصراعات القبلية، والمناطقية، فضاعت منهم البوصلة الوطنية؟ هل أصبح مستقبل ليبيا مرهوناً باتفاق تركي - روسي، وتوافق أوروبي أميركي؟ الشعب الليبي يملك الإجابة.