ما "ذنب" إسراء غريب؟

04 سبتمبر 2019
الصورة

قبل سنوات، كنت أرقد في مستشفى حكومي في غزة، حين جاء عدة رجال أشداء يسحبون بين أيديهم سيدة شابة في حالة هياجٍ شديد. وبصعوبة بالغة، استطاعوا أن يضعوها فوق أحد الأسرّة، فيما هرع طاقم التمريض لإجراء الفحوص الأولية لها. وبعد مدة قصيرة، أعلن أحدهم أنها لا تعاني من أي حالةٍ مرضية، وعلى أهلها اصطحابها إلى "شيخ"؛ ليقرأ القرآن الكريم فوق رأسها، فالسيدة كما تبدو من الأعراض التي تعانيها "ملبوسةٌ من الجن"، وعلاجها ليس متوفرا في هذا المكان.

بنظرات الأسى، ودّعت النزيلات هذه السيدة التي لم يأبه لدخولها أو خروجها أحد، وحيث عاد طاقم التمريض إلى مزاولة عمله، بعد أن أصدر قراره بخصوص حالتها، وحيث كانت السيدة تعاني فيما بدا لي من حالةٍ عصبيةٍ نتيجة تعرّضها لضغط عصبي ما، وحيث سمعت كلماتٍ متقطعةٍ عن زوجها، وأطفالها. وفهمت من الحديث الدائر أن زوجها طلقها وحرمها أطفالها. وبوضع عدة نقاط على الحروف، يمكن أن نتصوّر أن هذه السيدة أصيبت بحالة عصبية، بسبب ما تعرّضت له من الظلم، وأوله حرمانها من أطفالها.

تذكّرت تلك الحادثة التي جرت في صرح طبي كبير، عندما سمعت بمقتل الفتاة إسراء غريب الذي أثار ضجّة كبيرة، ولم تتوقف الأصوات المطالبة بالقصاص من قتلتها. وبمتابعة كل الأحاديث الدائرة عن مقتل الفتاة على يد أفراد عائلتها يمكن أن نكتشف، وببساطة، أنها لم تتنبه إلى أمر واحد. إسراء غريب فتاة عربية، قبل أن تكون فلسطينية، خرجت للعمل، وفي الوقت نفسه، هي تدرس في الجامعة، سمحت لها عائلتها بالخروج والاعتماد على نفسها، لأن الحياة صعبة، ولأن البنات هذه الأيام يردن تحقيق ذواتهن أمام سطوة الذكور. ولأن الذكور يقفون كأبراج المراقبة من حياة الإناث، من الضروري أن تكون حياة إسراء ومثيلاتها تحت المجهر. ولذلك هي ربما اعتقدت أن السماح لها بالعمل والدراسة وتحقيق ذاتها واستقلالها يجعل من مجتمعها متقبلاً لفكرة أن تسجّل بثاً مباشراً قصيراً مع الشخص الذي تنوي الارتباط به، وفي وجود شقيقته، فهذه "الجريمة" كانت لها بالمرصاد ألف عين وعين.

لم تتوّخَ إسراء الحذر، ولم تعمل بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم بأن تستعين على قضاء حوائجها بالسرّ والكتمان؛ لأن كل ذي نعمة محسود، فالمعنى من هذا التحذير النبوي أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت أكبر مسرحٍ للترصد والترقب والغيبة والنميمة. وهذه الصفات المذمومة هي السبب في انحدار المجتمعات إلى الهاوية، فالفراغ الذي يعيشه بعضهم جعلهم من سكان هذه المواقع على الدوام، ومن المقيمين فيها والمتفرّغين لها، بحيث لا تفوتهم شاردة ولا واردة من حياة الأقارب والمعارف والأصدقاء وخصوصياتهم، سيما الناجحين والمنشغلين واللاهثين خلف طموحهم وأحلامهم.

لست أنكر أنني كنت ضحيةً لهذا المجتمع الافتراضي. ولذلك قرّرت أن أحذف كل من أعرف على أرض الواقع، وحوّلت عالمي الافتراضي إلى عالم افتراضي بالفعل، لكي أسيطر على المشاعر السلبية التي يقذفني بها المحيطون بي على أرض الواقع. إسراء لم تفعل ذلك، وتركت ثغرةً لكي تنقضّ ابنة عمها عليها، ولكي يثور رجال العائلة، حتى شقيقها في كندا، وتأخذ الجميع الحميّة، وتتعرّض إسراء لما يشبه عدم التوازن، فهي مصدومة بالجميع، ولا تعرف كيف تواجه ثورة مجتمعٍ أوهمها أنها جزء فاعل فيه، ولم تكن تعرف أنها فأر صغير يسرح ويمرح في مصيدة كبيرة واسعة فسيحة، وأن أي خطأ منها سوف يجعل المصيدة تطبق على عنقها وتودي بها إلى حتفها.

إسراء غريب ضحية مواقع التواصل الاجتماعي والمجتمع الذي ينصّب كل رجاله أنفسهم أولياء على المرأة حتى تتزوج، لتصبح الولاية لذكرٍ واحد يتحدث، ويتحرّك باسم القبيلة، رحم الله إسراء المتوهمة ــ البريئة.