ماليك ينبش تاريخًا منسيًا: العالم يضلّ طريقه

17 يوليو 2019
الصورة
"حياة خفية" لتيرينس ماليك: العالم يتهاوى (يوتيوب)
"حياة خفيّة" (2019)، للأميركي تيرينس ماليك (1943)، المُشارك في المسابقة الرسمية للدورة الـ72 (14 ـ 25 مايو/ أيار 2019) لمهرجان "كانّ" السينمائي، أحد أجمل الأفلام وأعمقها، تلك التي أنجزها صاحبها في الأعوام الأخيرة، وأسهلها من حيث التلقّي. هذا عائدٌ إلى تخلّي ماليك عن غموض أفلامه السابقة وميتافيزيقيّتها، تاركًا المُشاهد يخرج منها برؤى وتأويلات وتأمّلات وتفسيرات خاصّة به. أهمية الفيلم نابعةٌ أيضًا من سردٍ درامي، يتطوّر في خطّ كلاسيكي سهل وسلس للغاية.

لا يعني هذا أنّ ماليك تخلّى عن أسلوبه، وبصمته المميّزة، وعالمه المعهود، وجمالياته المتفرّدة. فـ"حياة خفية"، فنيًا، صدى لتُحفته "شجرة الحياة" ("السعفة الذهبية"، مهرجان "كانّ" السينمائي، 2011)، ومرآة لإبداعاته في الأعوام الأخيرة، بما فيها الوثائقيّ "رحلة الزمن" (2016).

كذلك جعل ماليك من الوثائقيّ رحلة تأمّل فلسفيّ عميق عن الكون منذ نشأته، وعن وجودنا فيه إلى يومنا هذا، ومصيرنا ومصير كوكب الأرض، عبر نظرة بانورامية عابرة للقرون، التقطها بمنظار عريض؛ هكذا جعل "حياة خفيّة" رحلةً موازية في النفس البشرية، حيث ينطوي العالم الأكبر بمجرّاته وكواكبه، مستخدمًا مجهره الدقيق ليسبر ويتأمّل ويتساءل، وليُدقِّق في جزئيّة معيّنة تَسِم البشر من دون غيرهم، أي الضمير. فماليك يرى أن الضمير البشري ليس معتلاً أو في حالة يرثى لها فقط، بل في طريقه إلى عطب وشيك، يكاد يقضي عليه؛ ويجزم أنّ موت الضمير منبع لشرّ كثير، يتزايد في العالم منذ فجر التاريخ، وأنّ انعدامه منبع اللامبالاة المُستفحلة بين البشر، منذ أمد طويل.

يروي "حياة خفيّة" قصّة النمساوي فرانتز يغرشتايتر (أوغست دِيل)، الفلّاح البسيط، وابن قرية "سانت راديغند"، وأحد القلائل الذين تنبّهوا إلى أنّ العالم ضَلّ طريقه، وأنّه يمضي نحو هاوية كارثية، بانسياقه خلف هتلر، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. ماليك يقول هذا فنيًا، مُشيرًا إلى أنّ الهاوية أكبر وأعظم اتساعًا، وأنّ أحدًا غير قادر على التنبؤ بتبعاتها ومجرياتها.
كعادته، يطرح ماليك كلّ ما يشغله من تأمّلات وانطباعات وأسئلة وشكوك، عن الحياة والوجود.

تساؤلات فلسفية الطابع عن علّة الوجود وماهيته، وعن كينونة البشر ومآلاتهم، من دون إهمال كبير للحبكة أو القصّة أو السرد، ومن دون شخصيات غامضة وخيوط غير واضحة، ومن دون الإكثار من لحظات الصمت. هناك أيضًا التعليق الصوتي، المرتبط أو المنفصل بالأحداث المُصوّرة. ما من حركة سريعة، دائرية أو تماوجية أو التفافية أو علوية أو قريبة أو سريعة أو بطيئة، على نحو مفرط. طبعًا، هناك نزر يسير أو ضروري من كلّ ما سبق، لكن من دون طغيان أحدها على الآخر، فإذا بخليط ماليك هذه المرة مُدهشٌ في وصوله إلى إبداع عظيم، وتناغم في العناصر الفنية، رغم ألفتها.

يمكن تأويل قصّة فرانتز استنادًا إلى الإيمان الشديد بما يعتقده المرء، أيديولوجيًا أو سياسيًا أو فكريًا أو فنيًا. لكن ماليك لم يقدّم بطله على أي نحو من هذا، مستبعدًا إياه، أو مُقلّصًا إياه على الأقل، إلى درجة غير ملحوظة. فلا انتماء سياسيًا أو حزبيًا لفرانتز، ولا أفكار يدعو إليها، ولا عقيدة يعتنقها، ولا شيء ينادي به، باستثناء ما يعتمل في ذاته وضميره، المجبول عليهما: "إننا نقتل الأبرياء، ونغزو بلدانًا أخرى"، يقول للراهب، الذي يجيبه: "إنه واجبك تجاه الوطن. الكنيسة تقول لك هذا".

هنا، يتعمّد ماليك ملامسة التزام أخلاقي واجتماعي في أدنى صُوره. فالأساس هو الضمير، الذي يؤنِّب كيان فرانتز وقلبه، وفي الآن نفسه، يمدّه بصلابة لا تلين، وبعزم وصبر يُحسَد عليهما.

يعيش فرانتز في قرية جبلية صغيرة نائية، شمال النمسا، وسط طبيعة ساحرة لمنطقة جبال الألب، بتلالها ومروجها الوارفة. علاقته بمن حوله بسيطة للغاية. لا همَّ له سوى عمله الذي يحبّه، وأسرته التي يتفانى من أجلها، وزوجته التي يعشقها. إذًا، من أين جاء هذا الوعي، وذاك الضمير اليقظ، وتلك القدرة على التحمّل، والمثابرة على تحمّل مسؤولية اتّخاذ القرارات وتنفيذها؛ بينما مئات آلاف المتعلّمين والمثقفين لم يُراجعوا أنفسهم، إزاء مسألة انسياقهم الأعمى وراء نزوات هتلر، وطيشه الجنوني؟

بعد ضمّ هتلر للنمسا عام 1938، واعتبارها جزءًا من الرايخ الثالث، بات على فرانتز، بعد استدعائه أول مرة للتدريب العسكري عام 1940، أداء يمين الولاء للفوهرر، والانخراط في الحرب. يرفض فرانتز، الذي يُعدَم صيف 1943، بعد اعتقاله وتعذيبه ومحاكمته في برلين، علمًا أن الفيلم (173 دقيقة) يروي 4 أعوام من حياته فقط، من دون التطرّق إلى حكمٍ قضائيّ صادر في المدينة نفسها عام 1997، برّأ فرانتز من تهمة الخيانة، وأسقط الاتّهامات كلّها عنه. كما أنّ الكنيسة الكاثوليكية غفرت له، عام 2007، واعتبرته شهيدًا.

يصنع تيرينس ماليك من قصّة فرانتز يغرشتايتر ملحمة فنية رائعة، بصريًا وموسيقيًا، جاعلاً إياها قصيدة روحانية عميقة، عن المقاومة وشجاعة التمسّك بالرأي، وإبراز فضائل البشر، وأرقى ما جُبلوا عليه من فطرة سوية، نابعة من ضمير نقي غير ملوّث. لكنه لم يقدّمه أيقونةً أو رمزًا نضاليًا، بل إنسانًا، يجعله نبله وسموّه الروحي يرتقي فوق أفكار الواجب والصواب والحقّ والتقية والأنانية، وما يفرضه المجتمع. ألحق فرانتز العار بأسرته. ترمّلت زوجته، وتيتّمت بناته الـ3 الصغار، بينما أداؤه اليمين كفيل بإيقاف تعذيبه ومعاناة أسرته، وبنجاته بحياته، وعودته إلى منزله وأرضه وقريته، فيحصل على احترام مجتمعه وأهله ورفاقه. الرؤية المستقيمة لفرانتز إزاء الحقّ والباطل والصواب والخطأ، واتساقه مع ذاته وإنصاته لصوت الضمير، لم تكترث بهذا كلّه.

"حياة خفيّة" يردّ الاعتبار إلى "مسيح منسيّ" كفرانتز، وإلى غيره من المجهولين. لولا الفيلم، لشعر المرء بالأسى على تضحيات أفراد مثله ذهبت هباء، بعدما سادت حناجر الغوغاء وطغت عليها أصوات القطيع، الذين يُذكرون كأرقام منسية في كتب التاريخ والإحصاء. هذا صنع شحنة روحية هائلة، وطاقة إيجابية فريدة، وجماليات فنية لفيلم، تجب مُشاهدته سينمائيًا، على شاشة كبيرة.

لو أنّ تيرينس ماليك لم ينبش تلك القصّة، لظلّت سيرة فرانتز يغرشتايتر منسيّة. رجلٌ شجاع، يقول له كاهن القرية: "تضحيتك لن تفيد أحدًا"، وتؤنّبه زوجته فرانتزيسكا (فاليري باشنر): "لا يمكنك تغيير العالم. العالم أقوى". رغم ذلك، يذهب إلى المشنقة من دون تردّد، في مشهدٍ (نهاية الفيلم) رائع وجديد سينمائيًا.
تعليق: