ماليزيا... عودة تحالف مهاتير ـ أنور

ماليزيا... عودة تحالف مهاتير ـ أنور

20 مايو 2018
الصورة
عودة مهاتير أعادت ماليزيا إلى زمن بعيد (العربي الجديد)
+ الخط -

تتجه ماليزيا للدخول في مرحلة جديدة بعد عودة التحالف القديم الذي كان النواة الأولى لماليزيا في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وشكّل انفصاله حينها نكسة، أوقفت وفقاً للماليزيين، عجلة التنمية والتطور الاقتصادي في ماليزيا. ما دفعهم للقول إن "عودة مهاتير محمد إلى رئاسة وزراء البلاد من جديد بعد 15 عاماً من الغياب، أعادت الكثير من الأحداث والمشاهد السياسية التي رافقت ماليزيا لسنوات طويلة، سواء في حكم الرجل في المرحلة الأولى أو ما تلاها على أيدي رؤساء الحكومات الذين خلفوه، كعبدالله بدوي ونجيب عبدالرزاق".

سيناريو عودة مهاتير جاء بعد إحياء تحالف قديم جديد بين مهاتير والقيادي البارز في المعارضة الماليزية، أنور إبراهيم، الذي غادر السجن يوم الأربعاء الماضي، بعد عفو عام ملكي صدر بحقه، عقب فوز المعارضة في الانتخابات العامة. العلاقة بين مهاتير وأنور بدأت في وقت مبكر، بعد عام من تولي مهاتير الحكم في 1981 كرابع رئيس وزراء لماليزيا، حينها كان أنور يقود العديد من الفعاليات لمحاربة الفساد، وللانتصار للفلاحين. ولمع اسم أنور كثيراً، وبات في السبعينيات والثمانينيات، واحداً من أهم الشخصيات السياسية والشبابية في ماليزيا وجنوب شرق آسيا، واختير كعضو في هيئة المستشارين الشباب للأمين العام للأمم المتحدة في عام 1973، وشكل حينها حركة الشباب المسلم، التي كانت بداية انطلاق الرجل الفعلية في عالم السياسة والعلاقات الشبابية والسياسية، مع العديد من المنظمات المحلية والدولية، مهدت الطريق له ليكون أحد أبرز الوجوه الماليزية الجديدة والصاعدة في البلاد، حينها كان مهاتير هو الآخر أحد أبرز وجوه السياسة في ماليزيا.

اعتقل أنور إبراهيم في 1974 على خلفية نشاطه السياسي وفعالياته والتظاهرات الحاشدة الرافضة للفساد والداعمة للحقوق المدنية، وكذلك للدفاع عن حقوق الفلاحين الماليزيين والطبقات المهمشة. وظلّ في السجن 22 شهراً من دون محاكمة. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن الرجل واصل مسيرته بعد الإفراج عنه، ورويداً رويداً اتخذ مساحة في التغييرات التي وضعتها ماليزيا كخطة نحو الأمام. ومع دخول ماليزيا مرحلة مهاتير في 1981، عقب استقالة رئيس الوزراء الأسبق حسين أون من منصبه بسبب المرض، كان أنور أيضاً أحد أبرز الوجوه السياسية في الساحة الماليزية. ومن هنا بدأت ملامح العلاقة بين رجلين شكّلا ماليزيا الحديثة.

ففي عام 1982 وفي خضمّ قيادته المرحلة الجديدة من عمر ماليزيا، ركّز مهاتير على استيعاب الكثير من الوجوه والشخصيات، وكان أبرزها دعوة أنور للالتحاق بحزب الاتحاد القومي الماليزي. ومن هنا تشكلت مرحلة التحالف بين الرجلين، وكانت نقطة البداية لتحالف غيّر وجه ماليزيا على جميع المستويات.
فقاد الطرفان نهضة ماليزيا وحوّلاها من دولة تعتمد على إنتاج المحاصيل الزراعية إلى دولة صناعية متقدمة. وتبوأ أنور إبراهيم العديد من الوزارات في حكومة مهاتير، ومن هذه الوزارات التعليم والشباب والزراعة ثم المالية ثم نائباً لرئيس الوزراء في 1993. كما أن مجلة "نيوزويك"، وفق استطلاع لها، اختارت أنور كالرجل الأول في جنوب شرق آسيا نظراً لحضوره القوي حينها.


وفي عهد تحالف الرجلين يحسب لأنور إبراهيم أنه صاحب فكرة "المحافظة على الهوية الماليزية الإسلامية"، بما فيها فكرة إنشاء مصلى في كل مبنى حكومي أو غير حكومي، بما فيها المدارس والجامعات، فضلاً عن إصلاح التعليم الذي كلفه به مهاتير. ورغم الاتهامات الكثيرة في تلك الفترة لحكومة مهاتير بالاستبداد في مسألة الحريات، إلا أن تبريرات تلك الحقبة هي أن الظروف أجبرت الحكومة على اتخاذ التشدد في بعض القضايا، نظراً لحساسية المجتمع في ماليزيا المتعدد الأعراق. وهو ما جعل الحكومة تفرض العديد من القيود حول ذلك.

وتمكن مهاتير بين عامي 1983 و1991 من إحداث تغييرات دستورية بخصوص صلاحيات الأسرة الحاكمة، ونقل بعض منها إلى البرلمان، كأهم التحولات الماليزية نحو الديمقراطية. وكان من المقرر أن يخلف أنور، مهاتير في الحكم وكذلك في الحزب، إلا أن أزمة اقتصادية ضربت شرق آسيا في التسعينيات، وضربت معها العلاقة بين الرجلين القويين في ماليزيا، ولا سيما بعد الاتهامات التي وجهها أنور إلى مهاتير في الفساد وسوء الإدارة، وغيرها من التهم التي دفعت الاثنين إلى التباعد والمواجهة، ما دفع مهاتير لإقالة أنور من منصبه. وتلت ذلك اتهامات لأنور بقضايا لاأخلاقية أدخلته السجن، وبدأت معها مرحلة العداء بين الرجلين، وتوقفت معها الكثير من المسائل المشتركة، التي كانت سبباً في إحراز تقدم في تطور ماليزيا. ومع أنه تمّ الإفراج عن أنور إبراهيم بعد تبرئة المحكمة العليا له، إلا أن العداء استمر بين الطرفين لسنوات. وفي عام 2003 تنازل مهاتير عن الحكم وخلفه في الحكم عبدالله بدوي، ثم تبعه نجيب عبدالرزاق الذي جاء إلى الحكم وسط اتهامات له بتمويل سعودي لحملته الانتخابية، لإفشال عودة أنور أو من سمّتهم الرياض "جماعة الإخوان المسلمين" إلى حكم ماليزيا، مع اندلاع ثورات الربيع العربي، التي شكّلت ردة فعل مضادة بقيادة السعودية والإمارات، وصولاً إلى ماليزيا.

جاء نجيب وفُتحت قضية أنور إبراهيم من جديد، وتم إدخاله السجن وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات، فيما واصل نجيب التنكيل بخصومه من المعارضين، كمهاتير وأنور وبقية الأحزاب الأخرى، فضلاً عن انتشار روائح الفساد التي بدأت تظهر ضد نجيب وحكومته. استمرار نجيب في قمع خصومه وتراجع الاقتصاد الماليزي، أجبر المعارضة المشتتة والضعيفة، نتيجة الخلافات، إلى البحث عن خيارات لمواجهة تحالف الحزب الحاكم، بقيادة رئيس الوزراء السابق نجيب عبدالرزاق. وشكّل العداء الشديد بين أنور ومهاتير واحداً من التحديات التي كان يستحيل بالنسبة للماليزيين أن تؤدي إلى تحالف جديد بين الرجلين، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فخلال جلسة النقض في محاكمة أنور، في عام 2016، حضر مهاتير محمد جلسة المحاكمة، وانفرد بلحظات مع أنور. كانت تلك اللحظات بداية ملامح تحقيق المستحيل بالنسبة لأنصارهما، بل شكّلت هاجساً قوياً بالنسبة للحزب الحاكم، الذي لم يتوقع إنشاء تحالف جديد للمعارضة، لا سيما بين مهاتير وأنور، بعد 18 سنة من العداء والقطيعة بينهما.


وبعد هذه اللقاء بدأت مرحلة جديدة بين الرجلين، فيما دأب الحزب الحاكم على مهاجمتهما، حتى أن لقاءات جماهيرية عقدها مهاتير تعرضت للاعتداء من قبل أنصار الحزب الحاكم. وبشر مهاتير بعودة تحالفه مع حليفه وخصمه السابق أنور إبراهيم بعهد جديد من حكم ماليزيا، فيما قادت زوجة أنور، عزيزة وان إسماعيل، مع زعماء المعارضة، التغييرات الجديدة والاحتفالات والمهرجانات، لا سيما أن من أهداف التحالف إصدار عفو عام عن أنور في حال فازت المعارضة بالانتخابات. وهو ما حدث بالفعل مع إصدار ملك ماليزيا عفواً عاماً بعد فوز المعارضة بقيادة مهاتير في 8 مايو/ أيار الحالي.

بالنسبة للماليزيين، فإن عودة مهاتير مع حليفه أنور شكّلت ردة فعل قوية، جعلت المعارضة تفوز بأغلبية مريحة في تشكيل الحكومة. وبدا واضحاً بعد عودة الرجلين أنهما عائدان بقوة منذ اليوم الأول لإعلان فوز تحالفهما، فطلب مهاتير صدور توجيهات لمنع سفر رئيس الوزراء السابق نجيب خارج البلاد، بعدما ذكرت وسائل إعلام ماليزية أن "نجيب كان ينوي السفر إلى خارج ماليزيا". وكان مهاتير قد قال إنه "سيترك القانون يأخذ مجراه في ما يخص رئيس الوزراء السابق". كما وعد بإلغاء الضريبة المضافة التي فرضتها الحكومة السابقة، لتعلن وزارة المالية أنه سيتم إلغاء هذه الضريبة التي تبلغ 6 في المائة مع مطلع شهر يونيو/ حزيران المقبل.

ومع خروج أنور من السجن، بدأت العديد من اللقاءات ضمن صفوف المعارضة بقيادة الرجلين بخصوص تشكيل الحكومة والخطوط العريضة لها في ظل الحديث عن تسمية مهاتير نفسه لوزارة التعليم، ويترقب الماليزيون ما سيتمخض عنه التحالف الجديد ومصير الوعود في الاقتصاد والحريات ومحاربة الفساد. وفي العلاقات الدولية للتحالف، كوّن الرجلان علاقات دولية واسعة في السابق، سادتها الكثير من التحولات في المستويات الاقتصادية والسياسية، بين الانفتاح والانغلاق، مع الدول الغربية والدول الإسلامية، تحديداً علاقات ماليزيا بالسعودية، والتي لم تكن بأحسن حال نتيجة للتباينات ونظراً للخلاف القديد الجديد في ما يخص جماعة الإخوان المسلمين، إذ يحسب على مهاتير أنه تحالف مع أنور المحسوب على الإخوان، وفق تصنيفات خليجية سابقة وحالية.

وكانت الهبة السعودية لرئيس الوزراء السابق نجيب عبدالرزاق قد زادت من غضب مهاتير ضد الرياض، التي سعت أكثر من مرة لإفشال وصول المعارضة إلى الحكم، وفق اتهامات سابقة للمعارضة، فضلاً عن اتهامات للسعودية والإمارات بغسل الأموال عبر صندوق كان برئاسة نجيب عبدالرزاق. وخسارة الأخير تمثل خسارة للسعودية والإمارات، ومن شأن ذلك أن يدفع إلى توتير العلاقة بين الجانبين، إذا ما ظهر ثبوت تورط للبلدين في الاتهامات الموجهة إلى نجيب. كما أن مشاركة ماليزيا في التحالف العربي في اليمن تعد من أهم المواضيع التي قد تطرح نفسها أمام تحالف الحكم الجديد، لا سيما أن ماليزيا تعتبر من الدول الداعمة لوجستياً للتحالف العربي في اليمن.


المساهمون