ماكرون لن يُنظّف بيروت

08 اغسطس 2020
الصورة

ماكرون محاطا بجموع من اللبنانيين في جولته في بيروت (6/8/2020/الأناضول)

في الفيلم المصري "ليلة سقوط بغداد"، تدور الحبكة حول عالم شاب يحاول اختراع سلاح يحمي مصر من خطر غزو أميركي بعد سقوط العراق، بينما يؤدي الممثل محمد الصاوي دور شخصية ترحب بالغزو، باعتباره الحل الوحيد لأزمات مصر، ويردّد طيلة الفيلم أن الأميركان "هينضفونا".

أتى الرئيس الفرنسي ماكرون إلى بيروت، حاملاً معه أملاً في لحظة انكسار ويأس، كما حمل معه مقارنة سطحية لصالح "نظافته" مقابل تلوث النخبة الحاكمة. لذلك ليس من المنطقي المبالغة في لوم اللبنانيين الذين هللوا له في شوارعهم، والذين وقّعوا عريضة تطالب بعودة الاستعمار. 

من ناحيةٍ، لا يمكن أن نطلب التعقل والتحليل السياسي المعمّق ممن تعرّض لصدمةٍ عصبية. ومن ناحيةٍ، يوجّه اللوم الأكبر، بطبيعة الحال، إلى من وصل بالشعوب إلى هذه المرحلة. حين يطالب اللبنانيون ماكرون بعدم توجيه المساعدات عبر حكومتهم الفاسدة، فإن لومهم من دون طرح بديل يعني ضمنيا تفضيل السرقة الوطنية لهذه المساعدات. ولا نعني هنا، بطبيعة الحال، فئة موجودة في مختلف الدول العربية من المنسحقين الأصلاء أمام المستعمر، ومعتنقي أوهام عبء الرجل الأبيض الأرقى منا بالميلاد. ولكن نعني فئاتٍ أوسع قد تردّد "هينضفونا"، لا اعتناقا حقيقيا، بقدر ما هي تعكس صرخة احتجاج عالية، أو يأسا مقيما.

منذ العام الماضي، جرّب اللبنانيون التظاهر السلمي وغير السلمي، وأغرقوا زعماءهم بالسباب البذيء على حوائط الشوارع وحوائط مواقع التواصل، وأسقطوا حكومة سعد الحريري. لم يزد الوضع إلا تدهورا. ومن نافلة القول التذكير بأرقام التضخم والبطالة المذهلة، وانهيار أبسط الخدمات الأساسية، وجرائم التشكيل العصابي البنكي الذي مدّ يده في جيب كل مواطن لبناني. 

في لحظةٍ ما، يحسب المواطن مكاسبه وخسائره، ليُفاجأ أن وضعه تحت احتلال خارجي قد لا يكون أسوأ من وضعه تحت احتلال داخلي، هو للمفارقة قد يكون أصعب في التعريف وأصعب في المقاومة. وفي الحالة اللبنانية تحديدا، تبدو المفارقة أنها تعاني انسدادا سياسيا أسوأ من الأنظمة المستبدّة، حيث لا "نظام" بالمعنى السياسي المعتاد ليتم إسقاطه. لا دكتاتور يمثل رأس النظام، الزعماء الفاعلون الحقيقيون خارج الحكومة، وسلاح المليشيات أقوى من سلاح الجيش. 

لا لوم على المواطن المصدوم الصارخ، أيا كان محتوى صرخته وأسلوبها، لكن اللوم على نخب عربية في الحكم والمعارضة تخلت عن مسؤولياتها التي لن يعفيها منها الأجنبي. وللمفارقة، الاستعمار المباشر لن يعود، حتى لو توسل له ملايين اللبنانيين، فلا ثروات ولا فائدة واضحة يمكن جنيها. كما أن ماكرون ليس رسول الإنسانية بدوره، وقد شهدناه في مؤتمر صحافي مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 2019، وهو يتلقى منه التوبيخ حين أثار تلميحا خجولا إلى قضية المدوّنين السجناء، فرد عليه السيسي بأن عليه ألا ينظر إلى مصر بعيون غربية، وأن الدولة "لن تنهض بالمدوّنين".

ذات يوم، حُملت سيارة الرئيس المصري جمال عبد الناصر على الأعناق في دمشق، ثم حُملت السيارة نفسها على الأعناق مرة أخرى في الخرطوم، على الرغم من أنه كان يزورها لحضور أول قمة عربية بعد هزيمة 1967. في المرتين لم يكن يحمل أموالاً أو قدرات حقيقية، بقدر ما كان يحمل مشروعا جامعا يمثل مصداقيةً وأملا. هذه المصداقية والأمل لم يعد المواطن العربي يراها اليوم، ولن تعود بعودة الناصرية بطبعتها السلطوية. دول التحرّر الوطني التي تعلي من "الممانعة" قبل حقوق المواطنين أثبتت فشلها في الملفين. لن تقتنع الشعوب بأن السرقة الوطنية والاستبداد الوطني هي الطريق الأمثل.

لا بديل عن مشروع ديمقراطي عربي، حتى لو كان جزئياً أو إصلاحيا، يوفّر فقط حدا أدنى من الشراكة بالحكم، ومن الكفاءة في الإدارة. أهالي بيروت الذين ملأوا الشوارع لينظفوها في غياب تام للدولة يستحقون إطارا تنظيميا وتفاوضيا يمنحهم الأفضل. أما استمرار الانسداد التام فلا يعني إلا الأسوأ للجميع، شعوبا وحكومات، ويعنى استمرار الخيارات العدمية والانتحارية.

في نهاية فيلم "ليلة سقوط بغداد" تكتمل المأساة الملهاة. يستطيع العالِم اختراع السلاح، لكن الحكومة المصرية لا تعبأ به، وينتهي الحال بالعالِم وأستاذه في مستشفى الأمراض العقلية. يغزو الأميركيون القاهرة، وأول قتلاهم هو من يهتف "هينضفونا".