ماركيز أم بوتفليقة؟

19 ابريل 2014
الصورة
في يومٍ واحد، رحل الأديب العالمي جابرييل غارثيا ماركيز، وذهب الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، للتصويت لنفسه في انتخابات الرئاسة، بكرسيه المتحرك. كل من الرجلين عاش حياة طويلة حافلةً مليئة بالأحداث، وكلاهما شهد العالم يتغير من حوله، خصوصاً أنهما ينتميان إلى الجيل نفسه.

أتخيل الرجلين وقد بلغا من العمر أرذله، وأصابهما ما يصيب طاعنين في السن كثيرين من نسيانٍ، أو فقدانٍ لأجزاء الذاكرة. ماركيز سيكون مستمتعاً، وهو يقرأ نسخة من رواية اسمها مائة عام من العزلة، اعتبرها النقاد والأدباء في العالم تدشيناً لنوع جديد في فن الرواية، اسمه الواقعية العجيبة!

بالتأكيد، شعر "غابو"، كما يناديه أصدقاؤه بلذة، وهو يقرأ "الحب في زمن الكوليرا" و"خريف البطريرك"، وكأنه لم يكن له بهم علاقة، ولم تنتجهم موهبته! لا بد أنه استمتع بهما كما استمتعنا!
وربما انتابه، أيضاً، شعور بالفخر لحصوله على جائزة نوبل، ولارتباطه ودعمه، بشكل أو بآخر، حركات التحرر الثوري في أميركا اللاتينية، وربما قرأ شيئاً ذكَّره بصداقته بالراحل ياسر عرفات أو قربه من فيدل كاسترو.

أما الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، فلست متأكداً من أحاسيسه، لو أتيحت له فرصة أن يقرأ عن نفسه. بالتأكيد، سيشعر بالفخر كونه بدأَ النضال مبكراً ضد المستعمر الفرنسي، في انخراطه في جيش التحرير الوطني الجزائري، وعمره لم يتجاوز التسعة عشر ربيعاً، وأيضاً، لابد أنه كان إنجازً كبيراً أن يصبح الشاب الأمازيغي، ذو الستة والعشرين عاماً، والذي كان يحمل اسماً حركياً عبد القادر المالي قبل شهور قليلة، وزيراً لخارجية الجزائر بعد الاستقلال، ملء السمع والبصر. لكني متأكد من أن بوتفليقة لن يستشعر الفخر، وهو يقرأ، الآن، عن اشتراكه في التخطيط والتنفيذ لأول انقلاب عسكري في الجزائر مع هواري بومدين، ضد أحمد بن بلة، بعد أقل من ثلاث سنوات من الاستقلال. وطبعاً قد يشعر بالحرج، وهو يقرأ ما يُشاع عن تورطه في قضايا فساد واختلاسات مالية، دفعت النظام الذي هو أحد أركانه إلى إدانته في قضية اختلاس، ليقيم بعدها في دولة الإمارات.

لا يمكن التكهن بمشاعر بوتفليقة، وقادة انقلاب عام 1992 يستدعونه، لكي ينصبوه واجهةً، لكي يحكموا من خلفها للمداراة على جريمتهم الانقلابية التي دمرت البلد النفطي الغني. وبالتأكيد، لا يمكن التكهن بمدى فخره بنفسه، إثر اجبار الجيش الجزائري كل المترشحين أمامه على الانسحاب، لإخلاء الساحة له، قبل يوم من اقتراع إبريل/ نيسان 1999.
بالتأكيد، سترتعد فرائصه، وهو يقرأ عن فظائع جيشه في أحداث القبائل المأسوية، وعن قتل صحفيين، وتكبيلهم في فترة حكمه، وعن فضائح مالية مع بنك خليفة، وسياسة الاعتماد على الأقارب، ومحاباتهم، والاعتماد على الأشقاء في إدارة الدولة.

كل هذه تكهنات قد تصيب، وقد تخطئ، حول أحاسيس كلٍّ من ماركيز وبوتفليقة، لو قدر لهما أن يقرأأ سجلي حياتهما، من دون أن يعرف أي منهما أنه بطل تلك الأحداث. لكن، الأكيد لدي أن ماركيز سيكون فخوراً بأنه، بفنه وأدبه، سيبقى حياً بين الناس؛ وأن بوتفليقة، بقراره أن يحكم الجزائر من فوق كرسي متحرك، وبجلطة دماغية تؤثر عليه منذ نحو عامين، أمات ما تبقى لدى الجزائريين من أمل في امكانية زوال آثار الانقلاب، وحكم المجلس العسكري، ولو بحكم الطبيعة وتدخلاتها. وعلى العموم، فوز بوتفليقة درس للتذكير بأن الشعوب هي التي تصنع أقدارها.