ماركس وهوامش العالم

09 يونيو 2014
الصورة

قفزة قرب تمثال ماركس في ألمانيا (فرانس برس/Getty)

+ الخط -
يرتدي كتاب كيفن ب. أندرسون "ماركس في الهوامش. في القومية والإثنية والمجتمعات غير الغربية"، الصادر عام 2010 عن جامعة شيكاغو، أهمية في فهم عالم اليوم، بالنسبة لمتتبعي فكر كارل ماركس.

يستكشف الكاتب، وهو أستاذ علم الاجتماع والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، سانتا بربارا، مسار  فكر ماركس، بالاعتماد على نصوص ليست معروفة جيداً في الغالب، علماً أن قسماً من مؤلفات ماركس لا يزال غير منشور. يتفحص مقولات ماركس بشأن الصين والهند وروسيا والحرب الأهلية في الولايات المتحدة (ومسائل العرق والطبقات) وإيرلندا (العلاقة بين مسألتي القومية والطبقية)، أي حول "هوامش العالم"، بعيداً عن المركز الرأسمالي. كتاب آسر ومثير للاهتمام.

نقطة الانطلاق من "البيان الشيوعي" الصادر عام 1848 والذي يؤكد: "بفضل التحسّن السريع في أدوات الانتاج والتطور اللامتناهي في وسائل الاتصال، دفعت البورجوازية حتى أكثر الأمم بربرية في سياق الحضارة. فأسعار منتجاتها الرخيصة هي المدفعية التي تدك أسوار الصين، وترغم البرابرة الأكثر ممانعة وعداوة للأجانب على الاستسلام. فلا يبقى أمام جميع الأمم إلا الموت، أو تبني نمط الإنتاج البورجوازي، لتجد نفسها مرغمةً على إدخال الحضارة المفترضة بين ظهرانيها، أي التحوّل إلى بورجوازية. باختصار، إنها تولّف العالم على صورتها"، على الرغم من التحفظ المعبّر عنه في كلمة "مفترضة"، انطلق المسار: الرأسمالية تأتي بالتغيّرات العميقة على صورة التقدم، وأوروبا تدل سائر أمم العالم على الطريق الواجب سلوكه.

وعندما درس ماركس، في يونيو/ حزيران 1853، السياسة البريطانية في الهند، استشرف أن مختلف المجتمعات، بما فيها الهند، ستسير في الطريق الأوروبي نفسه، طريق الرأسمالية. عند هذه النقطة من أبحاثه، كان الأمر يتعلق "برواية كبرى" (وبتأثير من فكر هيغل)، يمتدح فيها ماركس النتائج الإيجابية للحضارة البريطانية العليا على الحضارة الهندية الدنيا.

فقط ابتداءً من العام 1856 و"حرب الأفيون" الثانية، بدأ ماركس بالكتابة بشكل أكثر منهجية عن الصين. وفيما كان قد برّر جزئياً "حرب الأفيون" الأولى (1842 ـ 1843)، على الرغم من ذريعتها "المشينة"، كونها تفتح هذه البلاد أمام التجارة، أدان بوضوح أكبر الحرب الثانية. وتزايد اعتراف ماركس بالطبيعة التدميرية للتطور الرأسمالي، متحفظاً على طابعه التقدمي.

وبشأن الحركات الوطنية في بولندا وإيرلندا، اعتقد ماركس في 1847 ـ 1848، أن تحرير بولندا سيكون نتيجة ثورة بروليتارية، ليعود، على العكس، في العام 1860 إلى افتراض أن تحرير بولندا سيكون مشروطاً بتطور الحركة العمالية، خصوصاً في ألمانيا. تبنى الموقف عينه بالنسبة لإيرلندا، حيث كتب، في رسالة إلى إنجلز، في 10 ديسمبر/ كانون الأول 1869: "طالما اعتقدت أن سقوط النظام في إيرلندا (كانت جزءاً من المملكة المتحدة آنذاك) مرتبط بصعود الطبقة العاملة الانكليزية. (...) قادتني أبحاث أكثر عمقاً إلى الرأي المعاكس. فالطبقة العاملة الانكليزية لن تنجز شيئاً قبل التخلّص من إيرلندا، فالرافعة يجب أن تحصل من إيرلندا، ولذلك فالمسألة الإيرلندية ترتدي أهمية كبرى بالنسبة للحركة الاجتماعية".

ذلك أن ماركس أدرك إلى أي حدّ يمكن لاضطهاد أمة من الأمم أن يؤثر في أحوال الطبقة العاملة للبلد المسيطر، فيوضح أن "العامل الانكليزي العادي يكره العامل الإيرلندي، فهو ينتمي إلى الأمة المسيطرة، ويتحول أداة في يد الأرستقراطيين والرأسماليين الانكليز ضد إيرلندا، ما يعزز سلطتهم عليه (...)، يكشف هذا التعرض سرّ عجز العمال الإنكليز، على الرغم من حسن تنظيمهم، وهو السرّ وراء استمرار الهيمنة الرأسمالية".

خلال الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأميركية (1861 ـ 1864)، تطوع ماركس، كصحافي وكمسؤول عن الأممية الأولى التي تأسست عام 1864. ثمّن سياسة لنكولن، ولو أنه انتقد تكراراً رفضه إطلاق حرب ثورية، تدمج السود في الجيش، وتدعو العبيد إلى التمرد. ففي رسالة إلى الشعب الأميركي عام 1865، أطلقت الأممية الأولى تحذيراً: "عليكم السعي إلى إعلان جميع المواطنين متساوين في الحقوق، وأحراراً من دون أي قيد. وإذا فشلتم في منحهم حقوقهم، فيما تطالبونهم باحترام واجباتهم، سوف يبقى أمامكم نضال مستقبلي، تسيل فيه من جديد دماء شعبكم". فتحرير العبيد سيضحى شرطاً لتحرر العمّال.

في دفاتره التحضيرية لكتاب "رأس المال"، وفي المؤلَّف نفسه (الجزء الأول)، يؤكد أكثر فأكثر أن أبحاثه تتناول أوروبا، وأنه يفترض دراسة الهند والصين، وحتى روسيا، بمقاربة خصوصية، كون تواريخها لا تدخل ضمن إطار "المراحل المتتالية" للتطور: المجتمعات البدائية، العبودية، الإقطاعية، الرأسمالية. أدخل مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي، وعاد بنظرة إيجابية على أشكال الملكية الجماعية التي بقيت قائمة في هذه البلدان (أيضاً في روسيا).

في العقد الأخير من حياته، عمل ماركس، بصورة هائلة، لكن القسم الأساسي من كتاباته لم يُنشر. وينكب فيها المؤلِّف على تحليل مجتمعات الإيروكوا واليونان القديم والهند وإندونيسيا والجزائر وأميركا اللاتينية، وخصوصاً روسيا. وفي رسالة نشرها بعد ترجمة "رأس المال" إلى الروسية، أشار ماركس إلى أن حتمية التطور الرأسمالي، كما وصفه، "محصور في بلدان أوروبا الغربية".

يقول أندرسون في خاتمة كتابه: "بالمختصر، أشرت في هذه الدراسة إلى أن ماركس طوّر نظرية جدلية حول التغيّر الاجتماعي، ليست أحادية المسار (توالي أنماط الإنتاج)، ولا قائمة فقط على الطبقات. فمع تقدم نظريته عن التطور الاجتماعي في اتجاه مسارات متعددة، تركزت نظريته حول الثورة، بشكل متزايد، على التقاطع بين الطبقة والإثنية والعرق والقومية. بالطبع، لم يكن ماركس فيلسوف الاختلاف، بمعنى ما بعد الحداثة، كون انتقاد الرأسمال ككيان رفيع شكل صلب مشروعه الفكري، لكن المركزية هذه لا تعني الحصرية. كانت نظرية ماركس الاجتماعية بشأن النضوج تدور حول مفهوم "الكليّة" الذي لم يوفر فقط مكاناً كبيراً للخصوصيات والاختلافات، بل جعل أحياناً من هذه الخصوصيات ـ العرق، الإثنية أو القومية ـ عناصر حاسمة في "الكليّة".

إنها أفكار مهمة لإدراك عالم اليوم، والتمفصل بين مسائل "الطبقة" و"الأمة" و"العرق" وأيضاً "النوع". خلافاً للقول إن مجرد حلّ المسألة الاجتماعية يؤدي إلى حلّ سائر "المسائل"، فتح ماركس الطريق أمام مقاربة مثمرة ومتمفصلة على عدة مستويات نضالية.