ماذا يعني ارتفاع الدين الخارجي لمصر؟

21 اغسطس 2019
الصورة
الدين الخارجي ارتفع 130% منذ نهاية عام 2013(Getty)
أعلن البنك الدولي يوم 15 أغسطس/ آب الجاري، ارتفاع الدين الخارجي لمصر بقيمة 9.6 مليارات دولار خلال الربع الأول من العام الحالي، ليصل إلى 106.2 مليارات دولار بنهاية شهر مارس/ آذار الماضي، بعد حصول مصر على الشريحة قبل الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولي، بقيمة 2 مليار دولار، بالإضافة إلى بيع سندات دولية بقيمة 4 مليارات دولار، كما الحصول على بعض القروض الأخرى "الصغيرة"، خلال تلك الفترة.

وفي حين توقف آخر رقم تم إعلانه بواسطة الحكومة المصرية عند رصيد هذا الدين بنهاية العام الماضي، 2018، والذي لم يتجاوز 96.6 مليار دولار، لم تكن الزيادة الكبيرة، في ثلاثة أشهر فقط، والتي تمثل 10% من الرصيد القائم، مفاجئة لأغلب المهتمين بالشأن الاقتصادي المصري.

فرغم التعتيم، الذي يشكك كثيرون في كونه غير متعمد، فقد مهد استمرار عجز ميزان المدفوعات المصري لتلك النتيجة، ولم تفلح محاولات توجيه الاهتمام نحو ما يطلق عليه "فائض أولي" في الموازنة العامة للدولة في إقناع الكثيرين بانخفاض حجم الدين الخارجي في المدى القريب.

وعلى الرغم من إصرار مسؤولي الحكومة المصرية على تكرار عبارات مثل "الدين الخارجي المصري لا يزال في الحدود الآمنة"، و"كل دول العالم تستدين من الخارج"، و"الاقتراض الخارجي ضروري لتحفيز النمو الاقتصادي"، إلا أنه لا يبدو أن الكثيرين، ومنهم مختصون بالاقتصادات النامية لدى مجموعة البنك الدولي، لا يزالون قادرين على "شراء" التصريحات المصرية.


والحقيقة أن التصريحات التي تدافع عن الدين الخارجي لمصر تبدو حقاً يُراد به باطل، وهو ما ينذر بحدوث كوارث كبيرة إذا استمر الحال على ما هو عليه. فبالفعل كل دول العالم تقترض من الخارج، لكن هناك فارقاً كبيراً بين أن تسعى أنت للاقتراض من العالم الخارجي، كما في الحالة المصرية، أو أن تسعى الدول الأخرى لإقراضك والاستثمار في السندات التي تصدرها حكومتك، كما يحدث في حالة الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.

من ناحية أخرى، لا يوجد ما يعيب في الاستعانة بالقروض الخارجية، لتحفيز وزيادة معدلات النمو، ولكن هناك شروطاً لذلك.
فأولاً، لا بد من استخدام تلك القروض في مشروعات استثمارية تحقق عائداً يفوق كلفة الاقتراض، كما يجب مراعاة أن يكون جزء كبير من العوائد المحققة بالعملة الأجنبية، التي تفرض سداد أصل المبلغ المقترض، والفائدة عليه، بها.

وأخيراً لا يمكن الاستمرار في الاقتراض من الخارج، دون وضع خطة لتوضيح الطريقة والموعد اللذين سيتم بهما البدء في تخفيض القروض مرة أخرى، وإلا ستستمر الزيادة في الدين الخارجي، وهو ما ينذر بحدوث كوارث، على الكثير من الأصعدة.

أما عن نغمة أن الدين الخارجي لا يزال في الحدود الآمنة، فلا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فالرقم يتضاعف، ونسبته إلى الدين العام تزيد، ونسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي تكبر، وهو ما يعني أن الدين، لو صح أنه لا يزال في الحدود الآمنة، فبالتأكيد هو متجه للخروج من تلك الحدود، وإن كان أحداً لم يخبرنا بتلك الحدود، ولا لماذا لا تزال آمنة.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتفاع الدين في 16 ربع سنة من آخر 20 ربعا، وانخفاضه بأرقام ضئيلة في الأربعة الأخرى، وأيضاً ارتفاعه بنسبة 20% خلال عام واحد فقط، كما ارتفاعه بنسبة 130% منذ نهاية عام 2013، وبمبلغ يقترب من 60 مليار دولار، الأمر الذي يجعل أي حديث عن الحدود الآمنة خارج السياق تماماً.

يدرك الجميع أن الوقت الذي يتعين فيه سداد تلك الديون سيأتي، وأن قدرتنا على الاستمرار في تجديدها أو مد أجلها، بدون كلفة مادية وسياسية ومعنوية مرتفعة، ليست مضمونة، وأن الاستمرار في الاقتراض لسداد ما يستحق من الديون ليس هو الطريقة المثلى للتعامل معها.

ومع استمرار صندوق النقد والبنك الدوليين في مطالبة الحكومة المصرية بوضع خطة لسداد القروض، واستمرار تجاهل تلك المطالب من الحكومة المصرية، يظهر لنا بوضوح أنه لا توجد خطة للسداد في المدى القريب، أو أن الخطة لا تتجاوز الدعاء إلى الله بأن يهبنا حقولاً أخرى مثل حقل ظهر.

ومع عدم وجود خطة للسداد، وفي ظل استمرار العجز في ميزان المدفوعات، تبدو الخطوات التالية هي الأقرب للحدوث، عند الاضطرار لسداد جزء أو كل الديون الخارجية. فأولاً، سنحاول الحصول على المزيد من القروض، بآجال استحقاق بعيدة، لتحل محل ما يتعين سداده. 

وفي حالة عدم التمكن من الحصول على مبالغ كافية من السوق العالمية، ستلجأ الحكومة المصرية إلى أهم داعميها في منطقة الخليج، وتحديداً السعودية والإمارات والبحرين، وربما الكويت (التي يزورها السيسي هذا الشهر).

ولو أخذنا في الاعتبار حقيقة وحق أن تلك الدول ألا تقدم قروضها مجاناً، فستكون النتيجة إما المزيد من الأراضي التي يتم تخصيصها لهم، في مشروعات عقارية وسياحية، لا تسمن المصريين ولا تغنيهم من جوع، إلا بالنزر اليسير، أو المزيد من الأراضي التي سنكتشف وقتها أنها تخص أياً من تلك الدول، على غرار ما حدث في جزيرتي تيران وصنافير.

ولو لم يتم الاتفاق على مزيد من القروض من تلك الدول، يصبح السحب من احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي حتمياً!

والسحب من الاحتياطي يعني المزيد من الضغط على الجنيه المصري الذي لم يتعافَ تماماً حتى الآن، رغم التحسن الزائف في سعره مقابل الدولار. ومع تزايد احتمالات تخفيض معدلات الفائدة على الجنيه المصري خلال الفترة القادمة، يبدو أن الضغوط على العملة المصرية ستكون مضاعفة، وهو ما يهدد بموجة جديدة من تخفيض قيمة الجنيه، لتطيح مرة أخرى بثروات المصريين، وتخفض مستويات معيشتهم.

الاقتصاد المصري لن ينهار بسبب الديون الخارجية، لكن تداعيات ارتفاعها، على قيمة الجنيه المصري، وعلى الطبقات الفقيرة والمتوسطة في مصر، وعلى انخفاض قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الخارج والداخل، كما على استقلالية القرار المصري، تفرض تدخلاً فورياً لتصحيح المسار، والحد من الارتفاع، قبل فوات الأوان.