ماذا لو نجح انقلاب تركيا؟

14 يوليو 2017
الصورة
تركيا في نمو اقتصادي مستمر (مراد كولا/الأناضول)
كاد انقلاب 15 يوليو/ تموز 2016 أن ينجح في تركيا كما نجحت 5 انقلابات سابقة، وأن يقفز العسكر سريعاً وخلال ساعات معدودة إلى سدة الحكم. 

ولولا خروج الأتراك الأسطوري إلى الشوارع، والتضحيات الكبيرة التي قدموها ومنها 250 شهيداً وآلاف الجرحى والمصابين لنجح الانقلابيون في هدفهم، ولسيطر هؤلاء على الحكم لسنوات طويلة كما حدث في سنوات ما قبل حكم حزب العدالة والتنمية، أي فترة ما قبل العام 2002، ولدخلت البلاد في أتون الحكومات الانتقالية الفاشلة والفاسدة التي كان بعضها لا يصمد سوى أسابيع وربما بضعة أيام في الحكم.

وبالتالي فإن طرح هذا السؤال: ماذا لو نجح انقلاب تركيا؟ يظل منطقياً في ظل النجاحات الكبيرة التي حققها الانقلابيون في الساعات الأولى لانقلابهم المشؤوم. وأكبر دليل على ذلك أن صحفاً عربية كبرى خرجت في اليوم التالي للانقلاب بعناوين ومانشيتات تعلن نجاح الانقلاب العسكري في تركيا.

وبعد ساعات قليلة من محاولة الانقلاب الفاشلة راحت فضائيات وقنوات تلفزيونية كبرى تزف بشرى لمشاهديها بنجاح العسكر في إزاحة أردوغان وحزبه وحكومته من سدة الحكم. بل وتؤكد بثقة تحسد عليها أنه جارٍ قتل الرئيس التركي أو على الأقل إلقاء القبض عليه ومحاكمته. بل إن وكالات أنباء عالمية كبرى أعلنت أن رجب طيب أردوغان طلب اللجوء السياسي لدولة أوروبية وأن طائرته في طريقها لإحدى تلك الدول.

نعود للسؤال السابق ونحاول أن نضع سيناريوهات لحال تركيا الاقتصادي في حال نجاح الانقلاب العسكري وعودة الجيش التركي لحكم البلاد، ونرصد حال اقتصاد أي دولة أخرى قد تشهد انقلابات عسكرية في المستقبل.

أول السيناريوهات المتوقعة حال نجاح الانقلاب هو سيطرة الجيش على الحياة الاقتصادية التركية، وهذا أمر في قمة الخطورة لما يترتب على ذلك من مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة منها إزاحة القطاعين العام والخاص من المشهد الاقتصادي أو على الأقل إضعافهما.

وما ينتج عن ذلك من زيادة في معدلات البطالة وتراجع إيرادات الدولة من الضرائب والجمارك والتأمينات وغيرها. إذ إن المشروعات التي ينفذها الجيش التركي لن تسدد ضرائب ورسوما للدولة ولن تستعين بأيد عاملة من خارج المؤسسة العسكرية.

الأمر الثاني المتوقع في حال نجاح الانقلاب يتمثل في حدوث انفلات سريع في سعر الدولار وانهيار في قيمة العملة التركية التي شهدت تحسنا ملحوظا خلال السنوات الـ 15 الماضية. وبعد أن كان سعر الدولار يدور حول 3.6 ليرات يمكن أن تعود البلاد لأيام أن كانت قيمة الدولار بعدة الاف من الليرات التركية، وبالتالي تعود الأصفار مرة أخرى للعملة التركية بعد أن  اختفت طوال السنوات الـ 15 الماضية.

وبالطبع، فإن تهاوي الليرة كان سيترتب عليه أمور خطيرة للمواطن والاقتصاد أبرزها حدوث قفزات في أسعار السلع الخدمات ومعدلات قياسية للتضخم وتآكل العملة الوطنية. وكذا، تعرض الاقتصاد لخسائر مادية متلاحقة وعجز ضخم في الموازنة العامة، خصوصاً أن حكومة العسكر الجديدة كانت ستلجأ لسلاح زيادة سعر الفائدة لاحتواء التضخم والحفاظ على ما تبقى من قيمة الليرة. كما كانت الحكومة ستلجأ أيضاً لأسلحة ترهق المواطنين مثل فرض مزيد من الضرائب والرسوم لعلاج عجز الموازنة العامة.

ومع قفز العسكر إلى الحكم في تركيا ونجاح محاولة الانقلاب، فإن ذلك كان سيفتح الباب على مصراعيه لحدوث حالة من التوتر السياسي الشديد والغموض، وهو ما يؤثر على قطاعات حساسة مثل السياحة والخدمات المالية والبنوك والبورصة وغيرها.


كما أن زيادة المخاطر بالبلاد كان من الممكن أن تهدد الاستثمارات الأجنبية سواء الساخنة المستثمرة في البورصة وأدوات الدين أو المباشرة الموجهة للمشروعات والقطاعات الاقتصادية المختلفة خاصة قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية والبناء والتشييد والعقارات. بل وربما تعرقل مشروعات قومية منها مشروع "السيل التركي" الذي سيتم من خلاله نقل الغاز الروسي لأوروبا عبر تركيا.

ومع حدوث قلاقل سياسية واجتماعية واقتصادية، فإن تراجع معدل النمو الاقتصادي في البلاد سيكون أمرا ليس فقط محتملاً بل وقوياً، فمعدل نمو 6% التي حققها الاقتصاد التركي على مدى 15 عاما مضت ستصبح مجرد ذكرى جميلة ترد لأذهان الأتراك كلما لسعتهم نار الأسعار والتضخم.

كما أن اختفاء القطاع الخاص أو ضعفه بسبب تنامي الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية وتراجع الاستثمارات المحلية والخارجية سيفقد معدل النمو الحالي زخمه، ومع تراجع معدل النمو الاقتصادي تزيد معدلات الفقر والبطالة والفساد، ويصبح حصول المواطن على 12 ألف دولار دخلا سنويا كما هو الحال الآن نوعا من الخيال والتمني.

ومع قدوم العسكر للحكم، في حال نجاح الإقلاب، فإن حالة من التوتر قد تنشأ بين تركيا والعالم الخارجي، وهو ما يعني تراجع الصادرات التركية البالغة قيمتها نحو 150 مليار دولار سنويا، لأن العسكريين الأتراك لن يضعوا قضايا مثل تنشيط الصادرات ضمن أولوياتهم، وربما يحدث تجميد للمشروعات والاستثمارات التركية في الخارج أو على الأقل إهمالها.

ومع حكم العسكر ستنشأ مشاكل اقتصادية عدة منها تفاقم الدين الخارجي والمحلي لتركيا، وتحول البلاد إلى مقترض من صندوق النقد الدولي وليس مقرضا له كما يحدث حاليا. ومع اللجوء للاقتراض الخارجي فإن المؤسسات المالية الدولية ستفرض رأيها وأجندتها على الحكام الجدد في تركيا.

ومن هنا ستخضع البلاد لشروط هذه المؤسسات المذلة ومنها زيادة الأسعار، وتثبيت الأجور، وتقليص عدد العمالة بالجهاز الإداري للدولة، وخفض الدعم المقدم للخدمات والسلع، والاقتراض لسداد القروض المستحقة، والحصول على قروض خارجية بأسعار فائدة فلكية.

كما أنه في ظل حكم العسكر لتركيا من المتوقع أن تزداد حالة الاحتقان المجتمعي؛ فمع قفز العسكر إلى السلطة، فإن زيادات ستحدث في رواتب وأجور العسكريين، كما سيحصد داعمو النظام الجديد مثل القضاة وغيرهم على مزايا مالية ضخمة لن يحصل عليها ملايين الأتراك الآخرين.

والجديد هنا أنه سيتم استثناء أجهزة مثل الشرطة والإعلام والأجهزة السيادية من هذه المزايا المالية لوقوفها مع الشعب التركي ضد محاولة الانقلاب الفاشلة ودعمها للتجربة الديمقراطية والحكم المدني.

ببساطة في ظل حكم العسكر، سينسى الأتراك حلم 2023، ومضاعفة متوسط دخل الفرد إلى 25 ألف دولار خلال فترة 6 سنوات، ولن يسمع الأتراك كلمات من عينة "نحن الدولة الأسرع نموا في العالم".

وسيكون على الأتراك نسيان خطة تحول بلادهم لواحدة من أسرع الدول نموا في الاقتصاد العالمي، لن يقرأوا مرة أخرى أخباراً من عينة أن اقتصاد تركيا حقق ثالث أكبر معدل نمو بين اقتصادات العالم، في الثلث الأول من العام 2017.

كما لن يسمع الأتراك وعوداً بل وتأكيدات بأن بلادهم ستنضم إلى قائمة أقوى 5 اقتصادات حول العالم أنهخلال سنوات قليلة، لأن تنمية الاقتصاد وزيادة موارده خاصة من النقد الأجنبي ليس من أولويات العسكر والذي لا يهمه كثيرا ما إذا كان المواطن فقيرا أم غنيا، تعيسا أم سعيدا، ما يهمه هو تدفق الأموال على خزينة المؤسسة العسكرية.

ويبدو أن الأتراك استشعروا هذا السيناريو الأسود، ولذا قاوموا الانقلاب العسكري بكل ما أوتوا من قوة حتى لا تتحول حياتهم ومستقبل أولادهم لظلام دامس لا نهاية له إلا بانتهاء حكم العسكر في تركيا. ​