ماذا لو كنّا من كوكب الأرض فقط؟

04 اغسطس 2020
الصورة
هكذا بدا الزهرة من الأرض عام 2012 في مروره أمام الشمس (يوهان نيلسن/ فرانس برس)

صنّف يوماً مستشار العلاقات والكاتب جون غراي البشر على أنّ "المرأة من الزهرة والرجل من المريخ". ما إن أصدر غراي هذا الكتاب "الشعبوي" حتى شاعت هذه المقارنة وأصبحت جزءاً من الثقافة الشعبية الأميركية. كتاب "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، الصادر عام 1992، يُصنّف في خانة "المساعدة الذاتية"، وهو غير مبني على أيّ أساس علمي أو نفسي. ما عادت اليوم، للكتاب أيّ قيمة جديّة، لكن أخطر ما في الفكرة والمقارنة المحورية فيه، التي لا تزال حيّة حتى يومنا هذا، أنّه يسطّح علاقة الجنسين بشكل كبير، عندما يعتبر أنّ الرجل والمرأة هما من كوكبين مختلفين، يعيشان متباعدين، مع كلّ ما يختزله ذلك من أنّ لكلّ منهما سلسلة عادات وتقاليد مختلفة، وانعدام إمكانية تلاقيهما.
لكن لمَ اختار غراي "الزهرة" ككوكب يمثّل المرأة بينما "المريخ" رمزاً للرجل؟
كوكب "الزهرة" فعلياً هو كوكب برّاق ومشعّ، وهو أكثر الكواكب حرارة في المجموعة الشمسية. بسبب حرارته هذه، لا يمكن الاقتراب منه كثيراً، والضباب الذي يغطّيه، يحجب إمكانية رؤية سطحه. بينما "المريخ"، هو رمز للثقة والاندفاع، الشجاعة والإقدام، والعمل الجاد. بالتالي من خلال هاتين المقارنتين، تصبح النساء بالنسبة إلى غراي هنّ "المتكلّمات" والرجال هم "الفاعلون"!
لو بقيت هذه الأفكار مدفونة في كتاب غراي لكان الموضوع بسيطاً، لكن المشكلة هي أنّ صورة المرأة والرجل في مخيّلة غراي، ليست سوى تعبير عن المخيّلة الشعبية. فضبابيّة "فينوس" أو كوكب الزهرة، تعني أنّ المرأة لا تفهم نفسها حتى تجعل نفسها مفهومة للآخر. لا تعرف ما تريد، فتحتاجك دوماً أيها المريخ لتقرّر عنها وتخبرها بما تريده. هذا التشبيه المؤذي أيضاً، يعفي الرجل من مسؤولية محاولة فهم المرأة أو الاستماع إليها، ويبرّر عدم اعتبار ما تقوله تعبيراً حقيقياً عمّا تفكر وتشعر به. من هنا لا يعود تأييدها لشيء ما أو رفضها له، ذا أهميّة، فيمكن للرجل أن يعتبر عدم استماعه لها أو اكتراثه لما تقوله مزحة، واتخاذ القرارات عنها واجب. فهي الشيء البرّاق، المزهو بنفسه في السماء، ذو الباطن الضبابي، غير المعلوم أو المفهوم.
وبينما هو، بحسب كوكبه، يقرّر ويفعل ويسيطر ويعمل، بينما أنت تكتفين بالتكيّف والتعايش، عليكِ أن تدعيه يحدّد لك ما هي الأنوثة، حدود حريتك وماهيتها، ماذا تخلعين أو تلبسين، كيف تتعاملين مع جسدك ونظرتك إليه، هل الموضة الآن للممتلئات أو النحيفات؟.. لا تقلقي، لقد فكّر المريخ بكل شيء، أنت فقط عليك أن تناسبي توقّعاته.

أنتِ من "فينوس" حتى تنتظري، وهو من "مارس" حتى يبادر. اعتبارنا من كوكبين مختلفين هو محاولة للهروب من الحلول لمشاكلنا. فلو كنّا نحن الاثنين من كوكب الأرض مثلاً، ولو لم تكن هناك الزهرة أو المريخ لنهرب إليهما في نهاية اليوم، لكان علينا أن نجد طريقاً سليماً للتعايش، والاستماع بجديّة لمرّة واحدة للمرأة عوضاً عن الهروب خلف هذه المقارنات البدائية!