ماذا لو أصبح تنظيم الدّولة دولة حقيقيّة؟

12 يونيو 2015
نحن في الزمن العربي السّيء الصّيت، ولى الزّمن الجميل. طردنا من أذهاننا الموسيقى والغناء والحب، حيث كانت أرواحنا بها ترحل إلى عوالم مسالمة. نعيش الآن زمن السّيف، والرّمح، وقصص شهريار.
عندما اختار العربي أن يهرب من واقعه كان أمامه خياران: أن يحرق نفسه، ومع أن محمد البوعزيزي كان أوّل شخص يحرق نفسه على الملأ، ويتناوله الإعلام ساعات أو أيّاماً أو شهوراً، لكن آلاف البوعزيزي يموتون يوميّاً في السّجون، من الجوع ومن الظلم. والخيار الثاني أن ينضّم إلى صفوف داعش، سيكون طوع أمر قائده العسكري. هو يرغب بالوقوف ضدّ الظّلم، ولا يعرف أنّه قاتل، وأنّه ليس في القتل وجه حق، فقط من منح الإنسان الحياة من يستردّها.
لم تكن التنظيمات السياسيّة الإسلاميّة موجودة فترة طويلة إلى أن أحياها بعض الحكام العرب، فعند كلّ ضائقة يسمّون تنظيماً إسلاميّاً جديداً، يبدأ بتدمير الكنائس، أو أماكن عبادة أخرى، تحت إشراف أمني مباشر، وبعد مدّة من الوقت، يبدأ التّحضير لمحاربته من السّلطة تحت شعار القضاء على الإرهاب. وهو شعار فضفاض، ففي العراق، مثلاً، لم يكن داعش وحده وراء تهجير الأشوريين واليزيديين وقتلهم. هناك من له مصلحة من القادة في العراق في ذلك، وهو الذي فسح المجال أمام التنّظيم ليفعل ما فعل. وكذلك في مصر، لا مكان للأقليات، فقد بدأ الأقباط بالرحيل، فهل عجز ذلك السيسي عن حمايتهم، أم أنّ الموضوع يروق له، ويمدّ بأجل حكمه.
عن سوريّة، حدّث ولا حرج، كل التنظيمات الإرهابية مصنوعة في دمشق، بمن فيهم القلّة من السّياسيين العرب الذين نسيهم الموت، يجدّدون أنفسهم كل يوم. يستعملون التكنولوجيا الحديثة لكي تبدو وجوههم شابة، يغتسلون بحمّامات الحليب، ويظهرون ثوّاراً أحياناً، أو مدافعين عن النّظام أحياناً. هم أنفسهم، ولا يستطيع أحد النّفاذ إلى من بينهم تجاه أيّة فرصة.
صناديق الاقتراع العربيّة تشبه صناديق القمامة، ومع أن الجميع يفهم اللعبة، والأغلبيّة لا ترغب في الحديث، فأيّ حرف ينبثّ به الإنسان تكون نهايته، والإنسان مفطور بطبعه على حبّ العيش.
من أكثر الرؤساء العرب شعبية عند الغرب الرأسمالي، والاشتراكي، بشّار الأسد، والطبخات التي يقدّمها لنا الأمن السّوري طازجة كل يوم، بدأ الأمن في الدّول العربيّة يحذو حذوه، ففي كلّ يوم نسمع عن طبخة جديدة، وكيف تمكّنت تلك الدولة من تفكيك خليّة إرهابيّة.
ماذا لو نجح تنظيم الدولة في بناء دولة؟ لا شكّ أنّ النّاس لن تغادر أماكنها إن شعرت بالأمان، البشر يحبّون الحياة، سيصبح أكثر النّاس من مؤيديه، مثلما كان أكثرهم من مؤيدي بشار، أو صدام حسين، أو حسني مبارك، أو غيرهم ممن لا يزالون أحياء.
إذا استطاع تنظيم الدولة الصّمود، واستطاع أن يؤمن لقمة عيش النّاس لقبل به النّاس، وأصبح يقصده العربي كي يعمل، فهو لم يشترط الفيزا للمسلم، وحتى غير المسلم، إن شعر بالأمان سيعمل على أرض التّنظيم.
من سخريّة القدر أن يحارب الإرهاب إرهاباً آخر، كما يفعل حزب الله، وإيران، وبشار، والمتعاونون معهم أكثر مما نتصور سواء بين الزّعامات الإقليميّة أو الدوليّة.




avata
نادية خلوف (سورية)