ماذا كتبت عن الحاضر؟

07 اغسطس 2020
الصورة
("موت الطفل" لـ محمود صبري، 1963)

يلوم كثير من القرّاء الروائيّين حين يعرفون أنهم لم يكتبوا نصّاً روائيّاً بعدُ عن الحدث الراهن، أيّ حدث راهن: أهمّ هذه الأحداث الراهنة هو موضوع السنوات العشر الماضية من هذا القرن، وقد يتّهمونه بالتقاعس،أو يتجرّأ بعضُهم فيصفه بالجبن في حالة الثورة والقمع الذي يطاول المشاركين فيها، أو بالتخاذل؛ إذ إنَّ على الروائي، السوري مثلاً، أن يكون قد أنجز منذ أن بدأت الثورة قبل تسع سنوات رواية أو أكثر من رواية في كل عام. وفي المقابل فإننا نرى الروائيّين هنا، أو في أي مكان في العالم، يقولون لك: "تتطلّب كتابة رواية من كاتبها أن يأخذ مسافة من الحدث المقارب"، وهذا أحدث تصريح للروائي بول أوستر الذي لا يعيش أحداث ثورة مثلاً.

لا يستطيع السياسي انتظار الزمن، وعليه أن يُصدر البيانات ويكتب التصريحات أو التحليلات مباشرةً في مواجهة الأحداث، بينما يجب على الروائي أن ينتظر كي يكتب عن الأحداث، متجاهلاً كلمات السياسي ذاتها، ذلك أن المسافة هي التي تُحدّد وعيه وطريقة كتابته، كما أنها هي التي ترسم له المسارات التي ستسير فيها روايته. 

شارك في الحرب الأهلية الإسبانية إلى جانب الجمهوريّين مثلاً، كثير من الروائيين من العالم، ولكن لم تصدر رواية "لمن تُقرع الأجراس" لـ همنغواي إلّا بعد نهاية الحرب بأكثر من ثلاثة عشر عاماً. أمّا أفضل الروايات الإسبانية عن الحرب فهي تلك التي كُتبت في مراحل تالية، وربما بعد أكثر من خمسين سنة.

المسافة الزمنية هي التي تُحدّد وعي الروائي وطريقة كتابته

وفي كل حال، فإنَّ التطوُّرات المعقَّدةَ التي شهدتها الثورات العربية تؤكّد أنَّ أيَّ تدخُّل روائي في سياق الأحداث أثناء تطوُّرها، يمكن أن يمضي بالنص إلى غاية مختلفة تماماً عن موقف الروائي، أو حقائق الواقع. خذوا السنوات التسع الماضية مثلاً، وتأمّلوا كيف تغيّرت المواقف من أحداث كانت تحظى بالتأييد والشعبية قبل سنوات، وأضحت اليوم مرفوضة ويمكن أن توضع في سياسات الخديعة. وما كان مناسبا كشعار في زمن ما مضى، وهو ليس بعيداً عنّا، بات اليوم لا يصلح للحياة، بل إنَّ الشعارات نفسها، وهي موضوع عمل للسياسيّين، تُسبّب أضراراً فادحة للعمل الروائي، بصرف النظر عن محتواها.

ومن الصعب على الرواية أن تتنبّأ؛ فالروائي لم يكن قادراً على التنبُّؤ بمصير الثورة السورية أو المصرية أو التونسية أو اليمنية استناداً إلى وقائع العام الأول من عمر كل منها، فبقدر وضوح ذلك العام، من حيث القوى التي نهضت بالثورة، والمطالب والشعارات، فإنَّ الغموض بدأ يلفُّ الأحدث مسرعاً بها إلى غاية أو غايات أخرى مجهولة في نهاية العام الأول.

لا تجيب الرواية عن الأسئلة التي عجز الواقع عن تقديم أجوبتها، وليس لدى تاريخ الرواية ما يؤكّد عكس ذلك، ولكن السؤال الذي يتصدّر لائحة معظم اقتراحات الحوار مع الروائيّين في الصحافة العربية هو: ماذا كتبت عن الحاضر؟ ويضع الصمت تجاه السؤال، أو النفي، الروائي أمام حرج أخلاقي في المقام الأول يرتبط بـ "شجاعته" أو بقدرته على قول الحقيقة، مثلما يحرمه من زعم المشاركة في صنع التاريخ.