ماذا في جعبة بومبيو؟

13 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
من المقرّر أن يقوم وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، بزيارة إلى دولة الاحتلال اليوم الأربعاء، عشية أداء الحكومة الإسرائيلية الجديدة، برئاسة بنيامين نتنياهو، ومشاركة خصمه السابق، بيني غانتس، اليمين الدستورية. وسيكون بومبيو بذلك من أوائل الساسة الدوليين الذين يستأنفون جولاتهم الخارجية، على الرغم من تفشّي فيروس كورونا. وفي مناسبة هذه الزيارة الاستثنائية، كرّر بومبيو، في مقابلة مع صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية أمس، أن موضوع ضم مناطق من أراضي الضفة الغربية المحتلة إلى إسرائيل يبقى خاضعًا لقرار دولة الاحتلال، وأن موقف واشنطن منه لم يتغيّر، وأن أقصى ما تتغيّا زيارته هو "أن يفهم كيف تفكر الحكومة الإسرائيلية الجديدة في هذا الخصوص". 
وقبل هذه المقابلة، أجرت الصحيفة نفسها مقابلة مع السفير الأميركي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، شدّد فيها على أن العنصر الأهم أن على الحكومة الإسرائيلية أن تتخذ قرار الضم، وعندها فالولايات المتحدة على استعداد للاعتراف بذلك، مؤكّدًا أن هذا قرار إسرائيلي أولًا وقبل أي شيء، ما يعني أن دولة الاحتلال يجب أن تكون البادئة بذلك. وفيما إذا كان هناك شرط جديد بأن تلتزم إسرائيل بالموافقة على إقامة دولة فلسطينية؟ قال فريدمان: "في هذا الموضوع، الشرط أن يوافق رئيس الحكومة (ليس رئيس حكومة مُحدّدًا إنما كل رئيس حكومة في إسرائيل) على التفاوض مع الفلسطينيين، بمعنى أن يدعوهم إلى لقاءات ويتباحث معهم ضمن محادثات مفتوحة ونيات حسنة لمدة أربعة أعوام". وتحدّث فريدمان أن على رئيس الحكومة الذي أعلن موافقته على التفاوض مع الفلسطينيين أن يستمر في هذا. وقال: "حتى الآن، لا يريد الفلسطينيون الحضور إلى طاولة المفاوضات. ولكن إذا ما غيروا موقفهم بعد عامين ووافقوا على الحضور، فسيكون رئيس الحكومة ملزمًا بإجراء محادثات. وهناك فترة زمنية محدّدة للمحادثات، ونريد أن تبقى إمكانية ذلك مطروحة على الطاولة أربعة أعوام".
واضح من هذه التصريحات، شأن ما سبقها، أن "عملية المفاوضات" التي تطرحها خطة ترامب لا تعرض أي مضامين واضحة وعينية على الفلسطينيين باستثناء إطالة أمد الاحتلال، كي لا نقول تأبيده. ولذا لا تخفي حقيقتها المراوغة من جهة، وأنها من جهة أخرى تضمن لهذا الاحتلال ظروفًا مريحة لاستكمال ما توصف بأنها عملية تطويع الجغرافيا الفلسطينية لسرديته الخاصة.
وهكذا يجاهر الجانب الأميركي الذي يتطلع إلى أن يكون راعيًا لـ"عملية السلام" بأن ما سيفعله هو أن يفهم كيف تفكّر الحكومة الإسرائيلية في هذا الشأن، وأن يدعو الفلسطينيين إلى محادثاتٍ مفتوحةٍ تكون رهن النيات الحسنة من جانب إسرائيل. وعليه، لا منفعة تُرجى من البحث عن فرق بين السياستين، الأميركية والإسرائيلية. وعمدًا تجنبت استعمال مفردة السياستين، كون استبطان هذه الحقيقة يشكّل الآن أحد أهم دوافع الكفّ عن التعلّق بوهم احتمال ممارسة ضغط أميركي على إسرائيل، كما حدث أحيانًا خلال جولات سابقة من محادثات "عملية السلام" نفسها.
في واقع الأمر، حتى الأدبيات الإسرائيلية نفسها سبق أن استشعرت هذه النتيجة من خلال استنتاجين: أولًا، أن ترامب أجرى تغييرًا في توازناتٍ داخليةٍ وأزاح خطته، بصورة كبيرة وواضحة، نحو الموقف الإسرائيلي، من خلال التشاور والتنسيق الوثيقين مع إسرائيل على حساب الفلسطينيين. ثانيًا، أن خطة "صفقة القرن" حققت معظم أحلام نتنياهو السياسية، و"الجديد الجوهري" فيها هو اعتراف أميركي بشرعية مطالب إسرائيل في الضفة الغربية، بمبرّرات قانونية، وأمنية، وتاريخية. وتكتفي الخطة بدفع ضريبة كلامية لقرار مجلس الأمن 242 الذي كان أساس عملية "الأرض في مقابل السلام" بين إسرائيل والفلسطينيين، لكنها في الوقت ذاته تلقي في سلة المهملات مئات القرارات الأُخرى، الصادرة عن جهات دولية عارضت الاحتلال والاستيطان الإسرائيليين، واعتبرت المستوطنات في الأراضي المحتلة منذ 1967 غير قانونية، وهي لأول مرة تمنح شرعيةً من البيت الأبيض لتطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنات وعلى منطقة غور الأردن.