ماذا فعلت أم كلثوم في "ليلة العيد"؟

24 مايو 2020
الصورة
جاءت الأغنية بلحن يخلو من التعقيد ويتسم بالبساطة (Getty)
متجاوزة للمكان والزمان، مثلت أغنية "يا ليلة العيد" دائماً إعلاناً وجدانياً بانتهاء شهر رمضان، واستعداداً لاستقبال عيد الفطر المبارك. وعلى كثرة أغاني العيد، احتفظت تلك الأغنية الكلثومية بمكانة أيقونية في الدلالة على المناسبة، وهي في تجاوزها المكاني، تنتشر عبر الإذاعات من بغداد إلى الدار البيضاء لتغزو كل مدينة عربية.

وفي تجاوزها الزماني، تخطت لحظة ميلادها أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وطار بها صوت أم كلثوم عبر ثمانية عقود، لنستمع إليها اليوم، متعجبين من هذا البريق الذي يتجدد ولا يخبو، ويلمع رغم العتق والقدم.

سياقياً، فالأغنية واحدة من أغنيات ثمانٍ، شدت بها أم كلثوم ضمن فيلمها الشهير "دنانير" عام 1939، وقد وضع كلماتها أحمد رامي، مع ست أغنيات للفيلم، واختيرت الثامنة وهي "قولي لطيفك ينثني" من ديوان الشريف الرضي. وزعت أم كلثوم الأغنيات على فريق ملحنيها، فنال القصبجي ثلاثة أعمال، وكذلك زكريا أحمد، وحصل رياض السنباطي على أغنيتين، هما "الشمس مالت للمغيب" و"يا ليلة العيد".



دنانير
نصياً، تتخذ الكلمات شكل طقطوقة من عدة أغصان، تنتهي كلها بعبارة "ليلة العيد"، التي كانت أيضاً مستهل المذهب، وأصبح عليها مدار العمل كله: "يا ليلة العيد آنستينا.. وجددت الأمل فينا.. يا ليلة العيد". وبعد المذهب، استمر الغصنان الأول والثاني في خطاب ليلة العيد خطاباً مباشراً: "هلالك هل لعنينا.. فرحنا به وغنينا.. وقلنا السعد هيجينا.. على قدومك يا ليلة العيد/ جمعت الأنس على الخلان.. ودار الكاس على الندمان.. وغنى الطير على الأغصان.. يحيي الفجر ليلة العيد".

ومع الغصن الثالث، يتوجه الخطاب إلى الحبيب: "حبيبي مركبه تجري". وكذلك الغصن الرابع: "يا نور العين يا غالي". ثم يأتي الغصن الخامس والأخير، الذي لا تُفهم كلماته إلا من خلال سياق الفيلم، الذي تمثل فيه أم كلثوم دور جارية جميلة الصوت، في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد ووزيره جعفر بن يحيى البرمكي: "يا دجلة ميتك عنبر.. وزرعك في الغيطان نور.. يعيش هارون يعيش جعفر.. ونحيي لهم ليالي العيد".

بالطبع، فإن كلمات الغصن الأخير المتماهية مع أحداث فيلم تاريخي لم تكن صالحة لتكرار البث والإذاعة، وقد فطنت أم كلثوم إلى أن هذه الكلمات قد تكون عقبة تمنع الأغنية من أن تصبح عنواناً لعيد الفطر، فطلبت من أحمد رامي وضع كلمات بديلة، وتغيير ألفاظ "دجلة" و"هارون" و"جعفر"، فكتب رامي: "يا نيلنا ميتك سكر.. وزرعك في الغيطان نور.. تعيش يا نيل وتتهنى.. ونحيي لك ليالي العيد". هكذا، أصبح للأغنية نصان، الأول هو الأصلي، وهو جزء من الفيلم، وغصنه الأخير "يا دجلة ميتك عنبر"، والثاني، وهو في تسجيل الأسطوانة الذي اشتهر وانتشر عبر الإذاعات العربية، وغصنه الأخير "يا نيلنا ميتك سكر".

في حفل النادي الأهلي عام 1944، شدت أم كلثوم بالأغنية، وأثناء غنائها وصل الملك فاروق، واستقبله الجمهور بالهتاف إلى أن جلس في مقعده مستمعاً. وبسرعة بديهة، غيرت أم كلثوم الكلمات، فقالت: "هلالَك" وأيضاً على قدومَك (بخطاب المذكر)، وفي الغصن الأخير، قالت: "يعيش فاروق ويتهنى.. ونحيي له ليالي العيد". ليقرر الملك فوراً منحها نيشان الكمال، الذي كان حكراً على سيدات وآنسات الأسرة المالكة، وزوجات رؤساء الوزراء.

في هذا التوقيت، لم يكن التسجيل أمراً سهلاً ولا منتشراً، وبعد ثماني سنوات، وتحديداً في 23 يوليو 1952، قامت حركة الضباط الأحرار، فلم يكن ممكناً بث أغنية تشدو فيها أم كلثوم باسم "الملك المخلوع"، فحجب تسجيل الحفل قرابة أربعة عقود. وتزامن هذا الحجب مع اختفاء النسخة الأصلية للأغنية، أي نسخة فيلم "دنانير"، الذي صار يبث مشتملاً على سبع أغنيات فقط، بعد أن حذفت منه "يا ليلة العيد"، ربما بتعليمات من أم كلثوم نفسها.

حين ظهر تسجيل الحفل في حقبة التسعينيات، وانشر انتشاراً واسعاً خلال سنوات قليلة عبر المواقع الإلكترونية المتخصصة في الغناء والموسيقى، وجد فيه الممسكون بالمنظار السياسي والمعايير الأيديلوجية دليلاً جديداً على تورط أم كلثوم في ما يعتبرونه "نفاقاً سياسياً". فها هي المطربة الكبيرة تستبدل بكلمات الأغنية اسم فاروق، لتنال "الرضاء السامي" وتحظى بتكريم ملكي غير مسبوق، وتحمل من ليلتها لقب "صاحبة العصمة". وقد التقت هذه الرؤية مع أخت لها، تبناها بعض اليساريين العرب، الذين اعتبروا أن أم كلثوم كانت سبباً من أسباب هزيمة يونيو/ حزيران عام 1967، بغنائها الذي يطرب الجماهير حد الخدر وغياب الوعي ويلهيهم عن قضاياهم المصيرية.

لكن هذا النقد المؤدلج، يكاد يتحطم أمام حقيقتين؛ جزئية وكلية. جزئياً، يتجاهل أصحاب هذا النقد أن أصل الأغنية كان ضمن فيلم تاريخي، وأن النص يمتدح الخليفة هارون الرشيد، ووزيره جعفر بن يحيى، ولم يكن منطقياً أن يحضر الملك فاروق محفل أم كلثوم، ويستقبل بهتافات مدوية تقول "عاش جلالة الملك"، ثم تغني هي بحضرته: "يعيش هارون يعيش جعفر ونحيي لهم ليالي العيد". وأيضاً لم يكن لائقاً وقد أقيم الحفل بالنادي الأهلي، أي في أحضان نهر النيل، أن تغني: "يا دجلة ميتك عنبر".

وكلياً، فإن الفنانين من طبقة أم كلثوم أو عبد الوهاب، لا يملكون أي خيارات في الموقف من السلطة، وليس متاحاً لمن كان في هذه المكانة الفنية والجماهيرية أن يجعل بينه وبين السلطة مسافة، أو أن يقف بعيداً مستعصماً بالحياد الصامت. هذا ضرب من المحال العملي. ووفق هذه الحقيقة فقط، يمكن فهم غناء أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب للملك فاروق، ثم غنائهما بعد ذلك للرئيس جمال عبد الناصر. المؤكد أن منهج النظر إلى الزعامات الفنية يختلف حتماً عن منهج النظر إلى القيادات السياسية، أو الطلائع الثورية.

موسيقياً - ودون استغراق في التفاصيل - قدم رياض السنباطي لحناً يتسم ببساطة شديدة، ويخلو من أي شكل من أشكال التعقيد النغمي، جمل متتالية من البياتي، ثم الشوري، وتطعيم بأجناس الراست والعراق، مع التزام إيقاع الواحدة الكبيرة. لكن التمهيد للعودة إلى المذهب، والقفلة بجملة يا ليلة العيد أو ليالي العيد، اتسم بقدر كبير من التكثيف بحيث تأتي القفلة - على عادة السنباطي - منطقية طربية، تملأ نفس المستمع، وتغمره رضاً وانسجاماً.


يا نيلنا ميتك سكر
غنائياً، كان صوت أم كلثوم في ذروته العليا جمالاً وعنفواناً، تكاد الكلمات تضيء بين ثناياها. وفي تسجيل الحفل، مارست مطربة العرب هوايتها في التفريد والتصرف، وملأت وصلتها بالارتجالات والزخارف والعُرب، كما يتضح من أول شطرة في المذهب، وتحديداً في كلمة "آنستينا" التي تؤديها مع تعريض صوتها ليشبه أصوات المشايخ المجوّدين. وهكذا لا تكاد تخلو شطرة في الأغنية من "عربة" أو تصرف، وكان للارتجال حظه في الغصن الثالث، مع "قولوا له يا جميل بدري"، وأيضاً في الغصن الرابع: "يا نور العين يا غالي.. يا شاغل مهجتي وبالي.. تعالى اعطف على حالي...".

تعرف الجماهير العربية الثبوت الشرعي لهلال العيد عبر بيان "مفتي الديار"، لكن الشعور الوجداني بالعيد لا يثبت إلا مع صدح الإذاعات والتلفزيونات بصوت أم كلثوم وهو يلقي بيانه الفني: "يا ليلة العيد آنستينا".