ماذا عن التنشئة؟

01 اغسطس 2020
الصورة
ثلاثة من الأشقاء البيروفيين ووالدتهم (كارلوس ماماني/ فرانس برس)

"تسلق أربعة أطفال بيروفيون، بين سن العاشرة والسادسة عشرة برفقة والدتهم يومياً، تلة عالية تقع في جبال الأنديز، ليلتقطوا بثّ شبكة الهاتف المحمول، بغية متابعة حصص دراسية عن بعد خلال جائحة كورونا. ومن أجل الاستفادة من برنامج التعلم في المنزل الذي وفرته وزارة التربية بعد إقفال المدارس بسبب الجائحة، اضطرت روكسانا (16 عاماً)، وألبرتو (15 عاماً)، وخوان كارلوس (13 عاماً)، وألفارو (10 أعوام)، إلى تسلق التلة يومياً برفقة والدتهم رايموندا تشاركا. وكان الأطفال يتلقون يومياً اتصالاً على هواتفهم أو رسالة عبر واتساب من المدرّسة ميري كويسبي إتشاتا، التي كانت تملي عليهم الدروس عن بعد".
هذه القصة الإنسانية، نقلتها وكالة "فرانس برس"، الأحد الماضي، وفيها تأكيد على تغير عالمنا في ظلّ الفيروس الذي تطغى أخباره على كلّ ما عداه، وتحكم قيوده سياسات الدول في كثير من الأحيان، بشكل غير مسبوق. ويحمل الخبر أيضاً بطبيعته الإنسانية، ذلك الإصرار على الوصول إلى الهدف، وتلك القدرة على تجاوز جميع العراقيل في هذا السبيل.
لكنّ المشكلة الأساسية هي تصوير تلك المعلومات التعليمية التي تصل إلى الأطفال على أنّها الهدف الأسمى، وإغفال الجانب الحيّ في العملية التربوية هذه المرة، وهي الرحلة نفسها التي يؤديها هؤلاء الأطفال ووالدتهم، وربما غيرهم كثيرون بأشكال مختلفة. هذه الرحلة التي تدخل في إطار الغاية - بصفتها النهائية وليس الهدف بصفته الموقتة - التي وجدت لأجلها العملية التربوية، وهي التنشئة الاجتماعية، أي العملية التي يصل من بعدها كلّ طفل إلى موقعه في المجتمع، بحسب استعداداته ومهاراته وحظوظه بالإضافة إلى الظروف المهيأة أمامه أسرياً ومجتمعياً وسلطوياً وعالمياً حتى.

هذه التنشئة الاجتماعية من الصعب جداً أن تصل عن طريق التعليم عن بعد. فالمدرسة ليست مؤسسة تعليم، بل مؤسسة تنشئة اجتماعية بالدرجة الأولى... هي مؤسسة سياسية في السلطة القائمة بين المعلمين والتلاميذ وما يرافقها من خضوع وتمرد وثورة. وهي مؤسسة مجتمعية في العلاقات بين الأقران وما يتخللها من تماهٍ وتمييز وإقصاء وتشكيل أحلاف واستقطاب وتحشيد وتحقيق وعواطف مشبوبة وانفعالات، أساسها الصراع في أحيان كثيرة. وهي مؤسسة النشاط الاقتصادي المحكوم بالرأسمالية الخاضعة بدورها لقوانين السوق وما يحكم به من مكافآت على المجهود، وترقية، وانتصارات، لا تغيب عنها كما السوق أدوات الغش والفساد. وهي المؤسسة التي لقاعاتها وساحاتها ومعلميها وتلاميذها طلّة يومية، ورائحة، وصوت، ومشاعر، وتفاصيل دقيقة جداً، كلّها تتفاعل مع الآخر وتتطور لحظة بلحظة.
هذه هي المدرسة البعيدة جداً عن مثلث متساوي الأضلاع، ومعادلة أوكسيد مغنيزيوم، واشتغال للمحلّ بالحركة المناسبة. ولا بدّ من حلول مختلفة، فهي المدرسة التي يستحيل أن تصل عبر الهواتف، وإن توفرت أقوى الشبكات.