ماذا تغير بعد سنة على "انقلاب" تركيا؟

25 يوليو 2017
الصورة
+ الخط -
منذ سنةٍ خلت، كتبت عن انقلاب الجيش في تركيا أن "الطيب أردوغان له ما سيفعله في تركيا بعد الانقلاب، إذ لا نتصوّر أنه سيطفئ أضواء القصر الجمهوري، ويذهب إلى النوم الديمقراطي السريع! بل سيشرع في تغيير موازين القوة نهائيا لفائدته".
وقتها، والدم ما زال مرتبكا بين الثكنة والشارع، كان قد تم الإعلان عن اعتقال آلاف الأشخاص، وتم فصل الآلاف في عملية تطهيرٍ غير مسبوقة… وهو ما يعني أن جزءا من العمل قامت به الدولة، في شخص مخابراتها التي بقيت مع الشرعية قبل الانقلاب، وهو أداء استباقي، يلقي بغير قليل من الأضواء على ما ينتظر هؤلاء وينتظر المساندين لهم. وحتى الذين أخطأوا في مساندة حركة الانقلاب اللاشرعية، بمحاولة تفسيرها حركةً للدفاع عن العلمانية، لم يحصدوا سوى الهباء في النهاية.
ومنذ سنة أيضا، دافعت عن فكرة مفادها بأن "أردوغان سيجعل مما وقع "أم المعارك"، وينهي كل الخصوم، لكن الدرس الفاقع هو أن الديمقراطية تحمل بعض بذور هشاشتها فيها.. فتركيا، بعد هذه المحاولة، لن تظل هي نفسها، إيجابا وسلبا، ومن صالحها رسملة الالتفاف حول المؤسسات، وتحويله إلى خط سياسي وطني مشترك ضد النزعات الانفرادية".
وقد تذكر العبد الفقير إلى رحمة ربه ‬قولة‮ ‬رئيس تركيا،‮ ‬الطيب أردوغان، ذات‮ ‬يوم، إن‮
‬"الديمقراطية مثل الترامواي،‮ ‬لا بد‮ ‬أن ننزل منها عند‭ ‬نقطة الوصول‮". وكل الذين استمعوا، بإمعان وتجرّد ديمقراطي، لخطوات العسكر في الشوارع التركية، تذكّروا، ولا شك، وقع الخطوات الغريبة للديناصورات في فيلم "جوراسيك بارك الكبير" لستيفن سبيلبرغ.
 كان واضحا أن محاولة الانقلاب، كما كتب العبد الضعيف لربه بمجرد اطلاعه على الخبر، تماثل محاولة عودة ديناصورات منقرضة إلى زمنٍ غير زمنها. لهذا كان الذهول الموالي لعدم التصديق تعبيرا عن غرابة المحاولة. صار واضحا أن الديمقراطية، عندما تكون بيد شعب موحد حولها، تستطيع قتل الديناصورات.
 كانت ليلة واحدة كافية لكي يلوح المجهول في شوارع إسطنبول، ثم كافية لكي يظهر شعبٌ قويٌّ بخياره الديمقراطي ويهزمه.
الآن بعد سنة، أي حاسّة نشجع في التحليل؟.. ما سميته "خطا سياسيا وطنيا مشتركا ضد النزعات الانفرادية" صار "خطا سياسيا وطنيا مشتركا مع النزعات الانفرادية" للسلطة. ومبرّرات ذلك نجدها في العمل الخارجي، كما نجدها في العمل الداخلي.. وإذا كانت التحليلات بخصوص الوضع الداخلي موجودة بوفرة، فإن البعد الخارجي ما زال مهملا بعض الشيء.
ومن الواضح أن تركيا تريد أن تحافظ على موقعها الجيواستراتيجي، لكي تدافع عن مصالحها ودورها المحوري في المنطقة، وهي تستند، في ذلك، إلى "المحكي الوطني" أو البعد القومي، للسلطة. وهذه الشرطية تجعل من التوجه نحو مزيدٍ من السلطات الرئاسية بمثابة أسمنتٍ يستند إلى القومية، وإلى قوة الرئيس، فتركيا التي ظلت تتأرجح بين الانفتاح على الغرب والتوجه القومي، منذ الحرب العالمية الثانية، يمتزج الداخلي فيها اليوم بالخارجي، كما لم يسبق أن وقع من قبل.
فهذه القومية تجد في شخص الرئيس التمثيل الجسدي لوجودها، لاسيما بعد استفتاء البلاد الذي أصبح الرئيس بموجبه السلطة المركزية القاهرة. والأدوار التركية التقليدية تركت المكان لتركيا المنفردة، التي تدافع عن السنة وعن مصالحها الخاصة بالدرجة الأولى.
في أحد الحوارات التي أجراها الديبلوماسي الفرنسي بيير فيمونت، الذي ظل الشخصية الرئيسة في وزارة الخارجية، حيث شغل مناصب رئاسة دواوين وزراء خارجية عديدين، وتقلد منصب سفير فرنسا في واشنطن بين 2007 و2010، وبعدها سكرتير عام للمصالح الخارجية في الاتحاد الأوروبي، يتميز مقاربته بالجمع بين البعدين، الديمقراطي الداخلي والخارجي، حيث يقول "إن تركيا تغذي حاليا مقاربة انفرادية، تحاول من خلالها الاستفادة من موقعها الجيواستراتيجي، للدفاع عن مصالحها الوطنية المحضة. ومن هنا، فإن القومية تتيح للنظام نوعا من الانسجام الديبلوماسي من أجل تجاوز المفارقات والتناقضات بين مختلف التزاماته. (مع الفرقاء الإقليميين والقاريين). وفي الوقت الذي تتساءل فيه البلاد عن تحالفاتها، فإن هذا المنحى يسمح بتركيبةٍ أو توليفةٍ بين اللجوء إلى الدين والقرب من الغرب". وهذه التركيبة، أو التوليفة كما سماها صاحبنا، لا تبدو بدهية لدى العقل الغربي، اللهم عندما يستمع إلى أردوغان، وهو يرادف التصريحات المنددة بأوروبا أو عواصمها، خصوصا منها برلين.
ماذا عن روسيا وأميركا في خضم هذه الخطاطة الشاملة، بين الداخل والخارج؟ هما معا يريدان دور أنقرة في تهدئة الوضع السوري، غير أن لكل واحدة من القوتين أهدافها الخاصة، إذ تريد روسيا أن تضرب الحلف الأطلسي من خلال جرّ تركيا إلى منطقها الاستراتيجي، في حين تسعى واشنطن إلى الحفاظ على علاقاتها، وعيا منها "بالأهمية الاستراتيجية لبلاد سيد المضيقين"، بلغة الجنرال ديغول… حتى لا تنساق مع روسيا، بحسب الديبلوماسي الفرنسي دائما.
مع ذلك، ليست أميركا المفترضة هي أميركا دونالد ترامب، فقد اعتبر قادة عرب عديدون أن
 مجيئه هو وصول الحليف المثالي، وكذلك كان، لأن أنقرة تضرّرت من وصول "حليف" للعرب، لا سيما مصر والسعودية. وبالتالي، صارت أنقرة في وضع مخالف لما ترجّته، في تجافيها مع أوروبا، غير أن الوضع يعمل، مع الزمن، لفائدة تركيا، وهو ما يبدو أن العواصم العربية لا تعرفه، فهناك:
أولا، القدرة التركية على تعقيد الأوضاع في المنطقة أكثر مما هي معقدة، وقدرتها على التحرّك من منطق القوة، كما من منطق التجربة في منطقةٍ لم تستقر بعد على قواعد لعب نهائية.
ثانيا، وجودها في الحلف الأطلسي نفسه ورقة تلعبها مع روسيا التي تطمح إلى ودّها، لإبعادها عن أوروبا، وعن واشنطن في الوقت نفسه.
يُضاف إلى ذلك، كما نبه بيير فيمونت، أن "العلاقات بين الغرب وتركيا تمر، منذ 1962، عبر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والحال أن بعض القضايا الشائكة بدأت تبرز بين الطرفين، على الرغم من التزام تركيا بالعمل داخل الحلف، وهي قضايا تهم تسليح الجيش التركي، وقد اختارت تركيا طلب تزويدها بصواريخ 400 إس الروسية.
ثالثا، هناك الفارس الإيراني الذي يعد رقما أساسيا في المعادلة، وهو ينتظر أن تنضج شروط جديدة، ما قد يقوي قطبا تركيا إيرانيا، يتجاوز التقسيم الطائفي إلى تقسيم عمل جيواستراتيجي، تكون فيه تركيا حليفا على الطرف الآخر من أوراسيا.
.. الواضح أن الانقلاب لم يغير فقط من طبيعة السلطة في تركيا، ولا من مركزية الحكم الرئاسي فيها، ولا من توتر الأوضاع الداخلية، والخوف من سبات ديموقراطي على الطريقة الشرقية، بل غير أيضا من أولويات الدول، والقوى الأساسية، وهو ما يبدو أن العرب غير معنيين به، ماداموا يحرصون أساسا على استبداد شرقي، بدون مضمون قومي أو موقع جيواستراتيجي.. لتظل أنقرة وطهران محدّدتين رئيستين في اللعبة شرق الأوسطية، ولم لا، اللعبة الآسيوية والأورو – المتوسطية.