ماذا تعني آلية "فض النزاع" في الاتفاق النووي الإيراني؟

24 ديسمبر 2019
الصورة
أعمال تشييد للمفاعل الثاني للطاقة النووية بمحطة بوشهر(فرانس برس)
+ الخط -
عادت تطورات الاتفاق النووي بين الغرب وإيران إلى واجهة السياسة الدولية مرة أخرى، لكن بشكل مختلف عن السابق، بعدما انتقلت أوروبا في تهديداتها ضدّ طهران بسبب تقليصها المستمر لتعهداتها النووية، إلى مرحلة تصعيد جديدة، عنوانها التهديد بتفعيل آلية "فضّ النزاع" في الاتفاق، وهي آلية إن فُعّلت، لا تبقي من الاتفاق شيئاً وتقضي عليه تماماً، لأنّ من شأنها أن تعيد ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي، لتُفرض عليها من جديد العقوبات الأممية من دون أن تتمكن روسيا والصين من استخدام حقّ النقض دعماً لها. كما أنّ من شأن تفعيل آلية فضّ النزاع وما يتبع ذلك من انهيار الاتفاق النووي، أن يرفع حظوظ الخيار العسكري في معالجة الملف النووي الإيراني، بعد فشل الدبلوماسية والاتفاق النووي المتمخّض عنها في ذلك، الأمر الذي يعني أنّ المنطقة خلال الفترة المقبلة ستكون حبلى بتطورات دراماتيكية.

وعلى خطّ مواز، لا تزال التحركات الدبلوماسية قائمة في سبيل خفض التوترات لا سيما بين طهران وواشنطن. وفي هذا الإطار، وصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أمس الإثنين إلى العاصمة العمانية مسقط. وأشارت الخارجية الإيرانية، إلى أنّ الزيارة تأتي في "إطار المشاورات المستمرة بين البلدين"، من دون أن توضح طبيعة هذه المشاورات. لكن على الأغلب هي على صلة بجهود وساطة تقوم بها سلطنة عمان بين طهران وواشنطن والرياض، لخفض التوترات بالخليج.

ومع اقتراب مهلة الستين يوماً الرابعة التي منحتها إيران للأطراف الأوروبية للالتزام بتعهداتها، إلى نهايتها في السادس من يناير/كانون الثاني المقبل، من دون أن تتجاوب هذه الأطراف مع مطالبها بالوقوف معها في مواجهة العقوبات الأميركية، وفاءً بالتزاماتها الاقتصادية بالاتفاق، ما زالت طهران تصرّ على إيقاف المزيد من تعهداتها النووية في مواجهة "المماطلات" الأوروبية.

وفي آخر خطوة لها، عمدت إيران أمس الاثنين إلى تشغيل الدائرة الثانوية لمفاعل "أراك" النووي، الذي يعمل بالماء الثقيل، بحسب ما ذكرت وكالة "مهر" شبه الرسمية. وعلى الرغم من أنّ تشغيل الدائرة الثانوية لا ينتهك القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني بموجب اتفاق عام 2015 مع القوى العالمية، لكنه يظهر أنّ إيران تواصل العمل لتطوير المفاعل. وفي إطار الاتفاق النووي، أزالت إيران قلب مفاعل "أراك" وصبت به الأسمنت بحيث لا يعود بالإمكان استخدامه، لكن بوسع إيران مواصلة إنتاج الماء الثقيل. وقالت "مهر": "تتولى الدائرة الأولى مهمة التخلّص من الحرارة من قلب المفاعل، والدائرة الثانوية مسؤولة عن نقل الحرارة من الدائرة الأولى إلى أبراج التبريد ثمّ إلى البيئة الخارجية في النهاية".

وفي ظلّ هذه الأجواء المتوترة، توحي التصريحات الأوروبية خلال الفترة الأخيرة، بأنّ أوروبا باتت أقرب من أي وقت مضى لتنفيذ تهديدها بتفعيل آلية "فضّ النزاع" بالاتفاق النووي، إذ نقلت وكالة "رويترز"، مساء يوم الجمعة الماضي، عن ستة دبلوماسيين غربيين وأوروبيين، توقعهم بأنّ الأطراف الأوروبية الشريكة في الاتفاق النووي من المرجح أن تلجأ خلال الشهر المقبل لخيار تفعيل آلية "فضّ النزاع" بغية إرغام إيران على التراجع عن سياسة خفض تعهداتها.

إلا أنّ هؤلاء الدبلوماسيين قالوا في الوقت نفسه، إنّ أوروبا لا تعتزم إثر تفعيل الآلية، الذهاب سريعاً باتجاه إعادة فرض العقوبات من قبل مجلس الأمن الدولي على طهران، لأنّ من شأن خطوة كهذه أن تقضي على الاتفاق تماماً مرة واحدة. الأمر الذي يعني أنّ هذا التصعيد الأوروبي سيكون مضبوطاً وليس مفتوحاً، في إطار تدبير استباقي رادع، يهدف لثني طهران عن تدشين المرحلة الخامسة من خفض تعهداتها النووية في السادس من يناير المقبل، بعد انتهاء المهلة الرابعة، ليبقى خطّ الرجعة مفتوحاً للأطراف كافة، من دون انهيار تام للاتفاق النووي.

وبدا أنّ التهديد الأوروبي الصريح باللجوء إلى تفعيل آلية "فضّ النزاع" مدفوع بمخاوف كبيرة من احتمال قيام إيران بتنفيذ خطوات أكثر أهمية وحساسية من قبل، في إطار تقليص تعهداتها النووية الشهر المقبل، تشمل تقليص مستوى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يحدّ من رقابة الأخيرة الصارمة على برنامج طهران النووي، أو أن ترفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة فصعوداً. وكذلك أن تزيد عدد أجهزة الطرد المركزي أكثر مما يسمح به الاتفاق النووي، وغيرها من الخطوات التصعيدية، خصوصاً أنّ إيران بدأت تتجه نحو هذا المسار بعد تطبيق المرحلة الثالثة من خفض التعهدات في السادس من سبتمبر/أيلول الماضي والتي طاولت تطوير أجهزة الطرد المركزي وتشغيل أجيال متقدمة منها. كما أنها في المرحلة الرابعة من خفض التعهدات في السادس من نوفمبر/تشرين الأول الماضي، قامت إيران بتفعيل منشأة "فوردو" المحصنة في عمق منطقة جبلية بالقرب من طهران، وهي منشأة نووية ينظر إليها الغرب بحساسية بالغة.

والمفارقة هنا أنّ أوروبا الباقية في الاتفاق النووي، ليست هي الجهة الوحيدة التي تهدّد بتفعيل "فضّ النزاع"، بل الولايات المتحدة المنسحبة منه أيضاً تفكر بهذا الاتجاه، على الرغم من خروجها من الاتفاق منذ الثامن من مايو/أيار 2018، إذ أعلنت الخارجية الأميركية، الأسبوع الماضي، أنّ واشنطن يحق لها استخدام هذه الآلية.

وفي السياق، اتفق وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو مع السيناتور الأميركي تيد كروز على اللجوء إلى هذه الآلية، على الرغم من انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. وهو ما ردّ عليه وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، باستهجان، قائلاً في تغريدة على "تويتر"، إنّ "وزارة الخارجية الأميركية لم تعد تكتفي باتخاذ خطوة غير مسبوقة لمعاقبة أولئك الذين يسعون إلى الامتثال لمجلس الأمن الدولي، بل إنها تزعم أنّ الولايات المتحدة يمكنها الاستفادة من آلية فضّ النزاع، باعتبار أنها كانت أحد شركاء الاتفاق النووي".

أمّا السؤال الجوهري اليوم، فهو حول طبيعة آلية "فضّ النزاع" وما يترتب من نتائج وتداعيات، حال نفّذت الدول الأوروبية الثلاث، أي فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تهديداتها بتفعيلها، أو إذا ما لجأت واشنطن إلى هذه الخطوة، كما تقول.

بالرجوع إلى نصّ خطة العمل الشاملة المشتركة "JCPOA"، أي ما يعرف بالاتفاق النووي، يظهر أنّه في البندين 36 و37، يتم الحديث عن آلية "فضّ النزاع" كنظام لحلّ الخلافات في ما يتعلّق بتنفيذ أطراف الاتفاق تعهداتها. وينصّ البند 36 على أنّه في حال رأى أي من طرفي الاتفاق النووي، أي إيران ومجموعة الـ1+5، التي أصبحت لاحقاً 1+4 بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، أنّ الطرف الآخر لا ينفّذ تعهداته المنصوص عليها في الاتفاق، فبإمكانه إحالة الموضوع للجنة المشتركة التي تضمّ اليوم بعد خروج واشنطن من الاتفاق، كلا من إيران وروسيا والصين والدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) والاتحاد الأوروبي. وسيكون أمام اللجنة 15 يوماً لحلّ الخلافات. لكن إن لم تُحلّ خلال هذه الفترة، يمكن تمديدها بإجماع الأطراف المعنية كافة. وفي حال لم يقتنع الطرف المشتكي بالتزام الطرف الآخر بتعهداته، فحينئذ يمكنه إحالة الأمر إلى اجتماع لوزراء خارجية الدول الأعضاء بالاتفاق، وسيكون أمام هؤلاء الوزراء 15 يوماً لحلّ الخلاف الدائر، إلا إذا تمّ تمديد هذه الفترة بإجماعهم.

وبعد دراسة الموضوع من قبل اللجنة المشتركة أو اجتماع على مستوى وزراء الخارجية، يمكن للطرف المشتكي أو العضو الذي اتُهم بنقض تعهداته، أن يطلب دراسة الأمر من قبل هيئة استشارية مكوّنة من ثلاثة أعضاء في الاتفاق النووي، على أن تعطي الهيئة رأيها غير الملزم خلال 15 يوماً. لكن إذا لم يتم حلّ الخلاف خلال 30 يوماً، فاللجنة المشتركة ستناقش رأي الهيئة الاستشارية خلال 5 أيام.

وينصّ البند 36 أيضاً على أنّه في حال ظلّ الخلاف قائماً، ولم يقتنع الشاكي، ورأى أنّ هناك "عدم التزام مبدئي" بالتعهدات من قبل الطرف الآخر، أو أحد أعضاء الاتفاق، حينئذ يمكنه اللجوء إلى الإيقاف الكامل أو الجزئي لالتزاماته المنصوص عليها في الاتفاق النووي، أو إبلاغ مجلس الأمن الدولي قناعته بـ"عدم التزام مبدئي" من قبل الطرف أو العضو بتعهداته وانتهاكه لها.

هنا، تقول إيران إنّها لجأت إلى إيقاف جزئي مستمرّ لتعهداتها بناءً على هذه الآلية، بعد عام كامل على انتهاك الولايات المتحدة الأميركية الاتفاق النووي من خلال الانسحاب منه، وما تبع ذلك من عودة العقوبات الأميركية على طهران، والتي كانت رفعت بموجب الاتفاق بعد التوقيع عليه عام 2015.

في المقابل، تطالب الدول الأوروبية إيران بضرورة الالتزام بتعهداتها النووية والتراجع عن إيقافها، مهددةً باللجوء إلى تفعيل آلية "فضّ النزاع"، التي يشير البندان 36 و37 للطرق التي ينبغي اتباعها بهذا الصدد. إذ بموجب ما ينصّ عليه البندان، وفي حال اتهمت هذه الدول طهران بانتهاك الاتفاق النووي، وأحالت الموضوع إلى اللجنة المشتركة، سيكون أمام إيران مهلة 30 يوماً، كما سبق ذكره، للدفاع عن نفسها وإقناع الأطراف الأوروبية بصوابية خطواتها. وإذا رفضت هذه الأطراف الحجج الإيرانية، يمكنها أن تحيل الأمر لمجلس الأمن، الذي بدوره سيقوم بعقد جلسة للتصويت على قرار بعنوان "مواصلة رفع العقوبات عن إيران"، بموجب البند 37.

وهنا، فإنّ اختيار هذا العنوان للقرار يحرم روسيا والصين من استخدام حقّ الفيتو لمساعدة إيران، إذا ما أرادتا ذلك، لأنّ الدول الغربية تمكّنت من خلال تضمين الاتفاق النووي هذا العنوان، أن تضمن حقّ النقض لنفسها وسلبه من الآخرين. فإذا ما أعيد الملف الإيراني لأروقة مجلس الأمن وتمّ التصويت على قرار "مواصلة رفع العقوبات عن إيران"، ستقوم بنقض هذا القرار، مما يعني أنّ رفع العقوبات عن إيران لن يستمرّ وتلقائياً ستعود القرارات الأممية كافة حول فرض هذه العقوبات، بالإضافة إلى عودة إيران لتكون تحت الفصل السابع الأممي.

وينصّ البند 37 على أنّ بإمكان مجلس الأمن أن يتخذ مساراً آخر غير طرح التصويت على قرار بعنوان "مواصلة رفع العقوبات عن إيران". ويشير البند أيضاً إلى أنّ "إيران تعتبر عودة العقوبات جزئياً أو كلياً بمثابة سبب لإيقافها كل تعهداتها المنصوص عليها بالاتفاق النووي أو جزءٍ منها".

في غضون ذلك، وعلى الرغم من تأكيد إيران مراراً خلال الشهرين الأخيرين على أنّها استخدمت حقها في تفعيل آلية "فضّ النزاع"، ولم يعد بإمكان الأطراف الأخرى استخدام هذه الآلية، وبغضّ النظر عن صوابية هذا الرأي من عدمها، فنتيجة تفعيل الآلية من قبل أوروبا، تعرّضت إيران لعقوبات أممية وأوروبية مشدّدة، وتضييق للخناق على اقتصادها، وهو ما يتبغيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخلق إجماع عالمي يساير سياساته في مواجهة طهران، لدفعها نحو اتفاق شامل، يطاول جميع الملفات المثارة معها، وتُلخص في ثلاثة عناوين رئيسية، هي ملفها النووي وبرنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي.

لا شكّ أنّ تفعيل آلية "فضّ النزاع" على النحو الذي يعيد العقوبات الأممية والأوروبية على إيران، سيكون بمثابة سحب الأوكسيجين من جسم الاتفاق النووي المريض الراقد في العناية المركزة منذ 19 شهراً، إذ إنّ إيران ستعلن من جهتها أيضاً الانسحاب تماماً من الاتفاق، كما تتوعد.

لكن لا يبدو أنّ ردّ إيران على الخطوة الأوروبية، سيقتصر على الانسحاب من الاتفاق النووي من جهتها، إذ إنها سبق أن أكدت أنّ تفعيل الآلية وعودة العقوبات الأممية وإدراج اسمها مجدداً تحت الفصل السابع، بمثابة تجاوز لخطوطها الحمراء، مهددةً بأنه في حال تخطي هذه الخطوط، ستقوم بدورها بتعديل عقيدتها النووية، بحسب تصريحات لنائب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، خلال الشهر الماضي، وبعد يومين من تدشين بلاده المرحلة الرابعة من تقليص تعهداتها.

ولم يوضح عراقجي طبيعة التعديلات التي ستجريها بلاده في عقيدتها النووية في حال نفذت أوروبا آلية فضّ النزاع، إلا أنّه في ضوء التهديدات الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة، ستطاول على الأغلب إنهاء كافة أشكال التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بما يخرج البرنامج النووي الإيراني من رقابته المشددة، وأيضاً الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، والقيام بخطوات نووية تصعيدية، مثل رفع تخصيب اليورانيوم إلى مستويات عالية، وإعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي من الجيل المتقدم وزيادة أعدادها.

المساهمون