ماذا تبقّى من شعارات الثورة المصرية بعد 30 يونيو؟

ماذا تبقّى من شعارات الثورة المصرية بعد 30 يونيو؟

28 يونيو 2014
الصورة
"عيش وحريّة وعدالة اجتماعيّة".. وماذا بعد؟ (فرانس برس/Getty)
+ الخط -
خرج الشعب المصري في 25 يناير/ كانون الثاني 2011، رافعاً شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعيّة والكرامة الإنسانيّة. ومرّة جديدة رُفِعَت الشعارات ذاتها في تظاهرات 30 يونيو/ حزيران 2013 ضدّ الرئيس المنتخب، المعزول حالياً، محمد مرسي. ماذا تحقّق من شعارات الثورة بعد عام من الانقلاب العسكري؟

الشواهد تؤكد أن الشعارات ظلت "محلّك سرّ" (مكانك راوح)، لا بل الواقع يقول إن البلد رجعت "إلى الخلف دُرّ". فالأحوال المعيشيّة أكثر سوءاً، والإضرابات العماليّة تتصاعد، والسجون تمتلئ بحكايات تعذيب رجال ونساء... شهادات حيّة من الشباب والخبراء تحاول الإضاءة على الحقيقة المرّة.

القوت.. والقوّة
شهاب عبد السلام، من الشباب الذين شاركوا في ثورة 25 يناير. هو قام برصد أخطر القرارات التي صدرت ضدّ أهداف الثورة بعد 30 يونيو. فقد تمّ رفع أسعار التغذية بالتيار الكهربائي والمياه والغاز للمنازل، ما ترك أثره على جميع المواطنين لا سيّما ذوي الدخل المحدود والفقراء. ويسأل: "هل يتّفق ذلك مع شعار العدالة الاجتماعيّة؟".

ويذكّر عبد السلام بأزمة "البوتاغاز" الكبرى قبل أشهر، عدّة حين وصل سعر أنبوبة الغاز إلى نحو 60 جنيهاً مصرياً من دون أن نسمع صوت أولئك الذين لم يكفوا عن الحديث عن العدالة والكرامة. ويشير إلى الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسيّة والمتوقّع أن تزداد أكثر مع حلول شهر رمضان.

أسامة الرفاعي، أيضاً، من الشباب الذين ثاروا في 25 يناير. يقول: "قمنا بثورة ضد نظام (الرئيس المخلوع حسني) مبارك الذي انعدمت فيه الحرية والعدالة الاجتماعيّة وانتُهكت الكرامة وتجبّرت في خلاله الشرطة على الشعب الأعزل". ويضيف الرفاعي، في ما يشبه الاعتراف: "نعم شاركت في تظاهرات 30 يونيو ضدّ حكم الإخوان. لكن العسكر، للأسف، سرقوا الثورة وتنكروا لشعاراتها. فانتعش فلول مبارك من جديد حتى صار إبراهيم محلب رئيساً للوزراء، وهو الذي يعدّ واحداً من أكثر رجال مبارك إخلاصاً".

ويسأل الرفاعي: "كيف تسألين عن تحقيق أهداف الثورة وقد أصدر الانقلابيّون قانوناً لمنع التظاهر؟". ثم يجيب عن سؤاله قائلاً: "لأننا ننادي بتطهير البلاد من الفساد المنتشر في الداخليّة والقضاء والجيش والإعلام، وننادي بمحاكمة كلّ مَن أجرم بحق الشعب، أمام القانون من دون تفرقة أو تمييز والقضاء على الوساطة والمحسوبيّة، وننادي بالعمل فوراً على تحقيق شعارات الثورة".

أما عبد الرحمن المتولي، فيكتفي بالقول: "الهتافات بس هيّ اللي فضلت من الثورة"، ليكون لسان حال عدد كبير من الشباب.

بالنسبة إلى الباحث الاقتصادي، سليمان عبد البر، "ثورة 25 يناير قامت.. ومسألة الأجور من أولى المطالب الشعبيّة.. وإذا كان قد تمّ التفاوض على الحدّ الأدنى، فإن تطبيقه تمّ بطرق ملتوية أفرغته من مضمونه. أي حياة كريمة وأي كرامة وأي عدالة اجتماعيّة يمكن أن تتحقّق في ظل تفاوت مستويات المداخيل الرهيب، وهو تفاوت يفوق ما كان عليه الوضع أيام مبارك؟".

وتظل التحركات العماليّة مؤشراً إلى الأوضاع بشكل عام. وفي هذا السياق، فإن الربع الأول من العام الجاري، 2014، شهد 1420 احتجاجاً عمالياً، بحسب تقرير صادر عن "مركز المحروسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة". ويبيّن التقرير أن أشهر يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط ومارس/ آذار شهدت موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات والإضرابات العماليّة، وقد شارك فيها العمال من قطاعات اقتصاديّة مختلفة، إما صناعيّة أو خدميّة.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي، هاني الحسيني، أن "العيش" هو الحياة الكريمة. ويقول: "لكي نحصل على العيش خالياً من سموم الأعداء والفاسدين، يجب أن نمتلك مصادره. ولكي يتحقق لنا ذلك، يجب أن تكون ثمّة دولة تعرف أن مَن مَلك قُوته ملك قوَّته. فنداء الثورة بالعيش كمطلب وهدف، كان نداءً خالصاً لتكون لنا سلطة تعرف أن مستقبل الدولة مرتبط بالحفاظ على قوت شعبها والاكتفاء الذاتي منه".

ويضيف: "إذا ظللنا على ما نحن فيه نتسوّل مصادر قُوتنا، ستظل أقصى أمانينا محصورة في كيفيّة تدبير رزقنا. لكن الثورة كان نداؤها بالعيش لازماً لكي تحقّق دولة مستقلة غير خاضعة للخارج، الأمر الذي يحقق لنا كرامة دولة الثورة. وهو ما لم يتحقق حتى الآن، للأسف الشديد".

ويرى الحسيني أن الدولة قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعيّة إذا أرادت، لكنها اختارت السير على طريق ما قبل الثورة نفسه، مشيراً إلى أن "الضرائب لا يجب أن تكون مجرّد أداة ماليّة محايدة لتمويل الإنفاق العام للدولة، بل أداة ضروريّة لتحقيق الأهداف الاقتصاديّة والاجتماعيّة لعمليّة التنمية. بل ويمكن أن تسهم في منظومة الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة للطبقات العاملة ولفئات عديدة من المجتمع كالنساء والشباب والمسنّين وذوي الاحتياجات الخاصة". يضيف: "ومن المؤكد أن النظام الضريبي المصري بحاجة إلى إعادة هيكلة كاملة لتصحيح أهمّ مكوّناته ولتحقيق العدالة الاجتماعيّة".

الكرامة الإنسانيّة
أما الكرامة الإنسانيّة، فيرى مدير مؤسسة "الدفاع عن المظلومين"، محمود حامد، أنها "حين يشعر الإنسان بقيمته كإنسان، وحين يشعر بوجوده كمواطن ترعى شؤونه الدولة وتهتمّ باستقراره وأمنه وكل أمور حياته. وحين لا يكون ثمّة تمييز في الخدمات الحكوميّة لأفراد بعينهم". ويضيف: "ويجد المواطن إنسانيّته حين يستقل وسيلة المواصلات المناسبة وحين يدخل أولاده مدرسة محترمة ويطمئن إلى حسن التعليم فيها، وحين يلقى احتراماً من أصحاب السلطة في إدارتهم للمصالح الحكوميّة، وحين لا يُعذَّب أو تُمتهن كرامته في داخل سجن أو قسم شرطة. لكن شيئاً من ذلك لم يتحقّق، ويكفي ما نتلقاه من تقارير حول ما يحدث في السجون، خصوصاً بالنسبة إلى النساء والشابات".

ويتابع حامد قائلاً: "مصر ترجع إلى الخلف مع استمرار تقييد الحريات وانتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم التعذيب والاغتصاب بحق المعتقلين والمعتقلات، في إطار سلسلة من جرائم وصفت بأنها ضدّ الإنسانيّة، بحسب ما أشارت تقارير صادرة عن منظمات حقوقيّة وناشطين سياسيّين معارضين لجماعة الإخوان المسلمين. ويكفي ما حدث من حالات اغتصاب وتعذيب لعدد من النساء اللاتي تمّ حبسهن بعد 30 يونيو الماضي".