ماذا بقي من مصطفى سعيد؟

01 أكتوبر 2015
الصورة
لقطة من "أفق خفيف"، رندا مدّاح/ سورية (2012)
+ الخط -

حياة المهجر ليست دائماً ذلك الفردوس الذي يجد فيه المهاجر العربي كلّ ما ينقصه في حياته القديمة. منذ سنتين، صدرت رواية "عناق عند جسر بروكلين" لـ عز الدين شكري فشير، وقد مرّرت لقارئها هذه الفكرة.

إنها تبدو مثل نقطة متأخرة في مسار الرواية العربية التي تتناول المهجر، ولعل الكاتب السوداني الطيب صالح كان قد رسم نقطة البداية عبر "موسم الهجرة إلى الشمال" (1966) وبطلها مصطفى سعيد.

تتبّع فشير أحلام جيل من المهاجرين العرب عاشوا في أميركا بين حلم بناء وجود جديد، والتخلي عن وجود قديم مرتبط بوضع متهالك ترزح تحته المجتمعات العربية. تتيح لنا شخصية بطله الدكتور درويش، المؤرخ المهتم بتاريخ العرب، أن ننظر في تأملات مهاجر يعود إلى تجربته الطويلة بعيداً عن بلاده، محاولاً أن يقيّمها ويقرأ من خلالها بنى المجتمعات العربية.

انتهى الدكتور إلى أنّ العرب أمّة خرجت من التاريخ، دون أن تُدفن تماماً. كان استنتاجاً قاسياً ومرّاً. قبل أن يموت، قرّر أن ينهي ما بدأه منذ أربعين سنة، وهو كتابة مؤلّف عن "مستقبل العرب".

لكن، هل للعرب مستقبل؟ بالنسبة للشيخ مراد، وهو رجل متديّن، وصديق لدرويش، وشخصية تمثل الوجه النقيض له، فإن المستقبل هو لحروب الهوية، وهو الذي عاش في أميركا، وكان شاهداً على أحداث 11/9، وكان سعيداً بما حدث في ذلك الثلاثاء، لأنّه رأى في سقوط البرجين رمزاً لسقوط القناع عن أميركا.

في موضع آخر، طرحت الرواية معضلة علاقة العربي بالأجنبيات. هنا، يمكننا تلمّس الخطوات التي قُطعت بعيداً عن مصطفى سعيد، ذلك البدوي الذي قدم من ريف السودان إلى بريطانيا لينتقم من الاستعمار من خلال إدارة حرب انتقامية داخل غرف النوم، لنجد مع فشير استحالة الحب، وغياب فكرة الغزوة الجنسية.

رصد الروائي المصري علاقة درويش بجين التي انتهت إلى انفصال بسبب الاختلاف في فهم علاقة الشرق بالغرب. كما يرصد علاقات شخصيات أخرى مثل لقمان والفتاة الهولندية، حيث يرفض كل طرف العيش في مجتمع الآخر، أو علاقة رامي بزوجته الكوبية التي لم يكن ممكناً أن يحضر معها فيلماً عربياً أو يسمع موسيقى عربية معها.

هكذا، وعلى مدى أكثر من نصف قرن، بدأت الرواية العربية تعكس حقيقة أن حياة المهاجرين ليست متجانسة، ولذلك لا نستطيع أن نبني معرفة واحدة بها أو نخضعها إلى نفس المدلولات.

من هنا، يجب أن ننتبه إلى ضرورة تعميق نظرتنا إلى حياة المهاجرين، ضمن سياقات تاريخية مختلفة. فالسياق التاريخي الذي أبدع شخصية مصطفى سعيد ليس السياق نفسه الذي أبدع شخصية درويش أو الشيخ مراد، ناهيك عن شخصيات أخرى في روايات مثل "الأجنبية" لعالية ممدوح، و"الطابق 99" لـ لجنى فواز حسن، و"حب في المنفى" لـ بهاء طاهر، و"الحفيدة الأميريكة" لـ إنعام كجي جه.

اليوم، يشاهد العالم حركة هجرة جديدة، ستفرض متغيّراتها على واقع المجتمعات الأوروبية والعربية، فهل الرواية متهيّئة لانتقال جديد في فهمها؟


اقرأ أيضاً: 22 مليون فانٍ

المساهمون