ماذا بعد المسمار الأخير في نعش حل الدولتين؟

25 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
منذ الرأي القانوني الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية بشأن المستوطنات ("مذكرة هانسل" 1978) في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر، عارضت التوجهات العامة للسياسة الأميركية، طوال أكثر من أربعين عاما، بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، باعتبارها "تتعارض مع القانون الدولي". وباستثناء إدارة الرئيس رونالد ريغان التي رفضت عام 1981 ذلك الرأي القانوني، فإن الرؤساء، الجمهوريين والديمقراطيين، اللاحقين أشاروا إلى أن المستوطنات "غير شرعية" (illegitimate) وتضر بعملية السلام، على الرغم من تعمّدهم عدم وصفها بأنها "غير قانونية" (illegal) تجنيبا لها لأي عقوبات محتملة.
فعلياً، لم تسع أي إدارة أميركية إلى إيقاف الاستيطان المستمر للأراضي الفلسطينية، ولا إلى عرقلة أي إجراءاتٍ لإدانة المنظمات الدولية النشاط الاستيطاني، وهي القاعدة التي كسرتها إدارة الرئيس باراك أوباما في أيامها الأخيرة (ديسمبر/كانون الأول 2016)، حين لم تستخدم حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي أعلن أن المستوطنات "ليست لها صلاحية قانونية وتشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي" (مع أن القرار ليس ملزما لصدوره وفق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة).
بعد إعلان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، انقلاب إدارة الرئيس دونالد ترامب على "مذكرة هانسل"، فإنه يدشن تحولا سياسيا رئيسيا آخر فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني 
الإسرائيلي، المتعارض مع القانون والإجماع الدوليين، يضاف إلى سلسلة من الخطوات الأميركية المتشددة المؤيدة لإسرائيل: اعترافها بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية ومرتفعات الجولان، ومحاولات تصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وقطع مئات الملايين من الدولارات مساعدات للفلسطينيين، وإغلاق السفارة الفلسطينية في واشنطن بالقوة، والسعي إلى إعادة تعريف اللاجئين ليختصر ما أمكن من اللاجئين الفلسطينيين، وحذف تعبير "الأراضي المحتلة" من قاموس وزارة الخارجية الأميركية.
في كل حال، لم يشذ الإعلان عن توجهات ترامب الداعمة لليمين الإسرائيلي المتطرف، وكان ألمح، خلال حملته الانتخابية، إلى أنه سوف يغيّر سياسات سلفه باراك أوباما، ليكون أكثر تقبلا للمستوطنات الإسرائيلية. وعلى الرغم من تصريحه الرئاسي المبكر لصحيفة إسرائيل اليوم (فبراير/شباط 2017) بأن التوسع الاستيطاني في ظل محدودية الأرض المتاحة لا يخدم عملية السلام، إلا أنه أظهر لاحقا تسامحًا حيال النشاط الاستيطاني، وعيّن ديفيد فريدمان، الداعم الشهير للمستوطنات، سفيرا للولايات المتحدة في إسرائيل. وبعد أن كانت إسرائيل تظهر الاحترام لحليفتها أميركا فتناقش معها إنشاء مستوطنات جديدة أو توسيعات كبيرة لمستوطنات قائمة، لم يعد ذلك ضروريا بعد هذا الإعلان الذي يمنح ضوءا أخضر دائما للسلطات الإسرائيلية، لتوسيع المستوطنات، وضم أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة، وذلك بعد أيام من قرار محكمة العدل الأوروبية القاضي بوجوب تمييز أي منتج يتم تصنيعه في المستوطنات بوصفها أماكن غير شرعية، حتى يتمكّن المستهلكون الأوروبيون من اتخاذ "خيارات مستنيرة" غير متاحة في حال حمل المنتج العلامة العامة "صنع في إسرائيل".
الأوروبيون، وبعد أن عرقلت هنغاريا صدور بيان مشترك عن الاتحاد الأوروبي يدين الموقف الأميركي الجديد، اكتفوا ببيانٍ يؤكد ثبات موقفهم من عدم شرعية الاستيطان الذي يقوّض حل الدولتين. ومن وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي، فإن المستوطنات غير قانونية، وتنتهك قواعد القانون الدولي الإنساني العام، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر نقل قوة الاحتلال لشعبها إلى الأراضي المحتلة. تدّعي إسرائيل أن اتفاقية جنيف الرابعة لا تنطبق قانونًا على الضفة الغربية، لأنها "ليست محتلة من الناحية الفنية"، فإسرائيل موجودةٌ هناك بشكل "قانوني" نتيجة حرب دفاعية، ولم تسيطر على الضفة الغربية من سلطة ذات 
"سيادة شرعية" (الأردن). وبموجب اتفاقيات أوسلو، تم تأجيل قضية المستوطنات إلى محادثات الوضع النهائي، ما برّر لإسرائيل الاعتراض دائما على أي شروط فلسطينية مسبقة للمفاوضات تتعلق بإيقاف الاستيطان، وعلى رفض قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالمستوطنات.
يتأكد أكثر خضوع إدارة ترامب لليمين الإسرائيلي المتطرّف في إسرائيل، وللوبي الصهيوني النافذ في واشنطن (هناك توتر قائم حاليا بين هذا اللوبي ودوائر في الحزب الديمقراطي)، وإلى جماعات مسيحية إنجيلية في الولايات المتحدة داعمة لليمين الإسرائيلي، والتي صوّتت بفعالية للرئيس ترامب في انتخابات عام 2016. نتنياهو شخصيا هو أكبر المستفيدين من القرار الأميركي الذي يواجه اتهامات جنائية محتملة في ثلاثة تحقيقات بالفساد، إضافة إلى أنه ما زال يخوض معركة للبقاء زعيماً لإسرائيل، بعد انتخابات غير حاسمة، وجولة انتخابية ثالثة محتملة، سيما بعد إعلان منافسه، بيني غانتس، فشله في تشكيل الحكومة. ويصر ترامب على التنازل عن دور الوسيط في عملية السلام، مغامرا بمصالح الولايات المتحدة، وعلاقاتها بحلفائها الأوروبيين، في سبيل دعم حليفه المفضل نتنياهو، على الرغم من فشل الأخير في حسم الانتخابات لصالحه بعد خطواتٍ أميركية داعمة مشابهة، نحو اعتراف ترامب بمرتفعات الجولان السورية جزءا من إسرائيل قبل الانتخابات الإسرائيلية بفترة قصيرة.
يستمر ترامب في مكافأة إسرائيل من دون أن يحصل الفلسطينيون في المقابل على أي ثمن يمنحهم أملا، بل يعيد صياغة الأساس الذي تجري بموجبه مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية، ويفكّك العناصر الأساسية التي رسمت السياسة الأميركية وتوجهاتها الملتزمة بحل الدولتين، الذي يدق ترامب في نعشه المسمار الأخير لصالح حلول تفاوضية، لا تستند إلى أسس القانون الدولي، ولا حتى إلى الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بل تصطدم فلسطينيا بسياسة الأمر الواقع، مع مضي إسرائيل في خطط الضم، والحيلولة دون قيام أي كيان فلسطيني، عبر تثبيت الدولة الواحدة؛ اليهودية غير الديمقراطية، التي تحتفظ فيها 
إسرائيل بالسيطرة الفعالة على الضفة الغربية، والقدس، وغزة، من دون أن يسترد الفلسطينيون أي حقوق سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
فلسطينياً، لم تعد يكفي التعويل على رحيل الإدارة الأميركية الحالية، ولا ردود الفعل ممثلة في الشجب والاستنكار والإدانة. وفي ظل عدم الاعتراف المستمر لإسرائيل المدعومة أميركيا بالشعب الفلسطيني وحقوقه، بما فيها حقه في الدولة، ونجاحها في منح الفلسطينيين سلطةً يتصارعون عليها من دون دولة، على القيادات السياسية الفلسطينية الحالية الاعتراف بفشلها وإفلاسها السياسي، وحلّ السلطة في رام الله، والتنازل عنها في غزة، لإفساح المجال للأجيال الجديدة من الفلسطينيين لامتلاك زمام المبادرة السياسية، وبلورة استراتيجية كفاحية جديدة قائمة على التحرير، بعد فشل مشروع الدولة. وحتى تحظى أي استراتيجية بإجماع وطني حقيقي، لابد من إصلاح (وتفعيل) منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بعيدا عن نظام المحاصصة الفصائلية (الكوتا)، وإصلاح هيئتها التشريعية؛ المجلس الوطني الفلسطيني، بانتخابات مباشرة، يشارك فيها الفلسطينيون في الداخل والشتات. ولعل خطوة عاجلة تبدو أضعف الإيمان، تتمثل في سحب الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، لا التلويح بتعليقه فقط.