مئة يوم من الإفلاس والتسول

مئة يوم من الإفلاس والتسول

15 سبتمبر 2014
+ الخط -
بدأ حملته الانتخابية  بكلمات شهيرة ومعبرة، "مفيش"، "معنديش"، "مش قادر أديك"، وأردفها بخطط سطحية ساذجة لحل مشكلة الكهرباء والبطالة، أمثال "اللمدة" الموفرة، و"عربية الخضار" بسوق العبور، فعاقبه الشعب وقاطع مهزلة الانتخابات. ومر مئة يوم على التنصيب الرسمي لقائد الانقلاب، والذي يحكم مصر فعلياً منذ  3 يوليو/تموز 2013، والمتتبع لتلك المئة يوم، سوف تمتلكه الدهشة من كم الفشل والانهيار الذي لم يتوقعه أكثر المتفائلين بفشله.

بدأت المائة يوم بتعطل المصالح الحكومية، حتى يمكن أن يمر التنصيب من دون شعب، كما بدأت بمناشدة دول العالم لتلبية الدعوة إلى مؤتمر التسول الدولي لمصر والمسمى مؤتمر المانحين. وبعد مئة يوم، بدا الوضع مأساوياً إلى درجة أن وزير الخارجية يطلب المساعدة بالمال على رؤوس الأشهاد، في مؤتمر جدة الذي ليس له علاقة بتمويل مصر، بل المتعلق بمحاربة داعش، وهذه سقطة دبلوماسية، تعودنا عليها في ظل الانقلاب.

كما اتسمت المئة يوم بخطابات التسول الداخلي، والتي بدأت بالدعوة إلى جمع 100 مليار جنيه (على جنب كده)، في صندوق تسول مصر، وإرهاب رجال الأعمال بالدفع وإلّا؟ (هتدفع هتدفع)، وعلى الرغم من مرور شهرين على البدء بالتجميع بالصندوق، لم يفصح أحد عن مجموع ما تم جبايته، ثم الحاجة لـ130 مليار جنيه للكهرباء، ومن ثمَّ (الحقوا)، تم بناء مدارس، من دون تدبير رواتب مدرسين، والتي تحتاج أيضاً إلى الدعم، ولا مجيب. لذا، تم اللجوء إلى حيلة الترغيب بالفائدة الـ 12% والتي خدعت البسطاء، فسحبوا ودائعهم، ليلقوا بها في القناة.

بدأ الانقلابي خطاب التنصيب بذكر أخطاء الماضي، والتي يريد أن يعالجها، فقال نصاً (وكما تعلمون، فقد عاش وطننا فترة عصيبة قبل الثلاثين من يونيو،... ظروف اقتصادية متردية، ديون داخلية وخارجية متراكمة، عجز ضخم في موازنة الدولة)، فاستبشر بعضهم بالمستقبل، ورقصوا على أنغام (بشرة خير). ولكن، لم يستطع القائد المفلس فعل شيء، لأنه (مش قادر)، ولم يتحسن الوضع، ولم يستمر على حاله، من دون مزيد من التدهور، فماذا حدث في الديون وعجز الموازنة والخدمات؟ بل ماذا حدث لمصر وموقعها التنافسي بين دول العالم؟ واستناداً إلى البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي ووزارة المالية، نلحظ ما يلي:

ارتفعت الديون الداخلية من 1.444 تريليون جنيه في يونيو/حزيران 2013 إلى 1.702 تيريليون جنيه، بزيادة نحو 218 مليار جنيه.
ارتفعت الديون الخارجية إلى 45.3 مليار دولار مقابل 43.2 مليار في 30 يونيو/حزيران 2013، على الرغم من وجود منح ومساعدات خارجية، بلغت أكثر من 20 مليار دولار، وفقاً لبيانات قائد الانقلاب.

ارتفع العجز الكلي للموازنة من 135 ملياراً في موازنة عام 2012/2013 إلى 240 مليار جنيه عام 2014/2015، على الرغم من رفع الدعم عن سلع وخدمات، مثل البنزين والكهرباء والماء، لينعم البسطاء ومحدودو الدخل بحياة أفضل، كما بشرهم المذكور أعلاه، وارتفع التضخم من 8.6% في يونيو/حزيران 2013 إلى 9.6% في يوليو/تموز 2014.

شهدت مصر عودة إلى القرون الوسطى، بانقطاع الكهرباء المستمر طوال المئة يوم، ثم كانت الدراما بانقطاعها عن محافظات بأكملها في الخميس المظلم، الذي تسبب في توقف المصانع، وتحقيق خسائر بنحو مليار جنيه، وشهدت مصر، لأول مرة، وفاة بسبب انقطاع الكهرباء، كما حدث في مستشفى أسوان الجامعي، ورأينا عمليات جراحية تتم على أضواء الشموع وكشافات الهواتف المحمولة، ومؤتمرات عالمية تنقطع عنها الكهرباء.

وبشأن وضع مصر في العالم، فقد صدر تقرير التنافسية العالمي لعام 2013/2014 ليفضح الانقلاب، فعلى صعيد مستوى جودة التعليم الأساسي، انتقلت مصر من الترتيب 137 من ضمن 148 دولة في عام 2012/2013 إلى الدولة الأخيرة بلا منازع أو منافس في كارثةٍ، قد تؤثر مستقبلاً على وضع المدرس المصري في الخارج. وعلى صعيد جودة البنية الأساسية، تدهور الحال، حيث احتلت مصر المرتبة 118 بدلاً من المرتبة 88 عام 2012/2013.

لم يعد أمام قائد الانقلاب بعد الفشل والإفلاس في الاقتصاد، إلا أن ينجح في معركته الوهمية ضد الإرهاب، فأخذ يقتل ويهدم المنازل في سيناء بلا رقيب، ويقتل ويعتقل المتظاهرين في أنحاء مصر، لعله يثبت نجاحاً أو يواري فشلاً، فماذا كانت النتيجة؟ كانت التضحية بالجنود بصورة تثبت ترهل الجيش وعدم جاهزيته، وخير مثال على ذلك، والأمثلة يتعذر حصرها، مقتل 28 من الضباط والجنود في الفرافرة بالوادي الجديد في يوليو/تموز 2014، دون مقاومة، أو التوصل إلى الجناة، وقبلها بشهر مذبحة مماثلة راح ضحيتها ضابط وخمسة جنود في المكان نفسه، وتفجير مدرعات وقتل الجنود في العريش ورفح، ولم يتم محاسبة قائد عسكري واحد على هذا التقصير المخابراتي والعسكري.

أما عن عودة الدولة البوليسية القمعية، فحدث ولا حرج عن أكثر من 41 ألف معتقل بجرائم واهية، وظهور التقارير الأمنية لتقصي كل معارض، بمجرد الاشتباه، حتى أنك تقرأ في بوابة الأهرام في 26 أغسطس/آب خبر أن شركات الكهرباء تسلمت قائمة من الأمن (غير) الوطني بأسماء 1200 عامل، ونقلتهم لانتمائهم السياسي، ولو كنا في دولة لتمت إقالة رئيسها وحكومتها بهذا الخبر فقط.

والحقيقة، هناك مجالات عديدة للإفلاس والفشل، تحتاج لموسوعات لذكرها، منها سد النهضة والذي تم اكتمال 40% منه، ومصر لم تكن على قدر المسؤولية في المطالبة بحقوقها المائية، وسوء إدارة ملف الوساطة في حرب غزة، واتساع حالة الاستقطاب السياسي وانهيار السلم الاجتماعي داخل المجتمع المصري، حتى إن افتقاد العدالة دفع بعضهم للعودة إلى الثأر، فرأينا حالات قتل لمخبرين وأمناء الشرطة الذين يعذبون ويقتلون المعتقلين من دون محاسبة ولا عقاب.

مرت المئة يوم الأولى، ونتمنى أن تكون الأخيرة بعد التنصيب، لتثبت بالفعل أن مصر كبيرة جداً على العسكر الذين يفشلون في أقل مهمة لهم، وهي حماية الجنود، فضلاً عن تقديم حماية للشعب وللحدود، بل يفشلون في تنظيم طابور زيارة لأهالي طلاب معهد عسكري، فيقع قتلى وجرحى، ولتثبت، أيضاً، أن نهاية ستين عاماً من حكم العسكر كتبت على يد قائد الانقلاب، وأنه آن الأوان لتعود مصر إلى شعبها، بعد إفلاس العسكر.

avata
عبدالعزيز مجاور (السعودية)