مؤتمر بروكسل 3 يهدّد الحكومة اللبنانية

مؤتمر بروكسل 3 يهدّد الحكومة اللبنانية

16 مارس 2019
الصورة
توافق خطاب الحريري مع المجتمع الدولي ببروكسل(إيمانويل دونان/فرانس برس)
+ الخط -



جاءت مخرجات مؤتمر بروكسل 3 على قدر ما طلبه لبنان. رُصدت له الأموال التي طالب بها بعدما قدّم رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري خطاباً يتوافق بالشكل مع موقف المجتمع الدولي، على الرغم من أنه لا يتوافق بالمضمون مع الموقف اللبناني الذي اتُفق عليه سابقاً في البيان الوزاري. قدّم الحريري خلال المؤتمر خطاباً يمكن القول إنه "غامض"، إذ حاول من خلاله المزج بين الموقفين الغربي والروسي، على الرغم من تناقضهما، فأشار إلى العودة الآمنة إلى وطنهم وفقاً للقوانين والمعاهدات الدولية، مكرراً ما جاء في البيان الوزاري الأخير لحكومته، وأيضاً لجهة العمل مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على أي مبادرة عملية تضمن العودة الآمنة لهم بما في ذلك المبادرة الروسية.

وعلى الرغم من أن الحريري التزم في الكلمة الرسمية له التي ألقاها في المؤتمر على ما اتُفق عليه لبنانياً في البيان الوزاري وعلى طاولة مجلس الوزراء، إلا أنه انتقد بشدة قبل مشاركته في المؤتمر النظام السوري، عندما دعا إلى الضغط عليه من قبل "كل الأصدقاء والحلفاء كي يعود النازحون إلى سورية".

حاول الحريري خلال المؤتمر التماهي مع الموقف الدولي الذي يُحمّل النظام السوري مسؤولية عدم عودة اللاجئين، خصوصاً بعد تلقيه قبل مشاركته في المؤتمر، وفق معلومات "العربي الجديد"، أكثر من إشارة دولية إلى الموقف الحاسم من هذا الملف، وأن "المجتمع الدولي لن يقبل عودة غير آمنة للاجئين". وهو ما حاول التركيز عليه، في مقابل رفضه بشدة الحديث عن تأمين فرص عمل للاجئين، بوصفها خطوة قد تعني بقاء البعض في لبنان، وإن طال أمد عودتهم، وبالتالي رفض إقامتهم المستدامة، أو تنفيذ شروط بقاء طويل الأمد.

ومن بين ما سمعه الحريري أيضاً من المجتمع الدولي هو نقد ضمني لسياسات لبنان لإعادة اللاجئين، تحت شعار "العودة الطوعية"، خصوصاً أن التقارير الدولية تفيد بأن من عادوا من لبنان أو غيره من الدول، لم تكن عودتهم آمنة، بدليل ارتكاب انتهاكات واضحة بحقهم، واختفاء بعضهم، والتحقيق مع بعض آخر. وهو الأمر الموثق في عدد من التقارير التي أصدرتها المنظمات الدولية التي تتابع موضوع اللاجئين.

ووفقاً لمصادر حكومية لبنانية، فإن "الحريري نجح في طمأنة المجتمع الدولي"، لافتة إلى أن "المشاركة في المؤتمر لم تكن مهمة سهلة، في ظل التحفظات الدولية على سياسات لبنان، إلا أنها تكللت بالنجاح بدليل تجاوب المجتمع الدولي مع مطالب الدولة اللبنانية، التي طلبت نحو 3 مليارات دولار، على الرغم من أن الرقم النهائي لحصة لبنان لم يعرف بعد، من أصل 7 مليارات تم رصدها خلال المؤتمر". إلا أن المصادر أكدت لـ"العربي الجديد"، أن "لبنان حقق الهدف من المشاركة في المؤتمر".

وبانتظار عودة الحريري الذي غادر بروكسل إلى باريس، بدا أن ملف مشاركته في المؤتمر لن يمر مرور الكرام لبنانياً، مع بدء قوى "8 آذار" التصويب على الموقف اللبناني من المؤتمر، وما خرج به، إضافة إلى التصويب على موقف الحريري والوفد المرافق والذي ترى أنه "تماهى مع المجتمع الدولي، على حساب المصلحة اللبنانية، التي تقول إنها تقتضي عودة اللاجئين".



وعلمت "العربي الجديد" أن "قوى 8 آذار تتحفظ على أكثر من نقطة متعلقة بمشاركة الوفد اللبناني، وتستند في ذلك إلى تصويب وزير اشتراكي على النظام السوري، بوصفه يتعارض مع المصلحة اللبنانية الكامنة في عودة اللاجئين". كما أن استبعاد وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، المحسوب على "التيار الوطني الحر" والنائب طلال أرسلان من عداد الوفد، ساهم في نقمة "8 آذار".

وذكرت مصادر مقرّبة من تيار "المستقبل" لـ"العربي الجديد"، أن "الموقف اللبناني في المؤتمر كان حساساً، ولهذه الغاية استبعد الحريري الغريب عن المشاركة في الوفد، خوفاً من أي تناقض أو تضارب في الموقف اللبناني، الذي بدا منسقاً بين أعضاء الوفد، خصوصاً بين الحريري ووزير التربية والتعليم العالي أكرم شهيب (الحزب التقدمي الاشتراكي) ووزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان (القوات اللبنانية)".

وعملياً أثار موقف شهيب سخطاً في صفوف قوى "8 آذار"، خصوصاً أنه صوّب بحدة ومباشرة على النظام السوري، عندما تحدث في إحدى الجلسات المخصصة للتعليم عن "عدم وجود رغبة فعلية لدى النظام السوري في إعادة النازحين خارج سورية إلى بيوتهم، ناهيك عن أن النازحين في الداخل لا يستطيعون العودة إلى قراهم ومدنهم بسبب الفرز الديمغرافي الذي مارسه النظام، وفي أفضل الحالات تكون عودة بعض النازحين انتقائية، ما يجعل هذه العودة شبه مستحيلة".

وأكدت مصادر لـ"العربي الجديد"، أن "الجلسة الحكومية المرتقبة بعد عودة الحريري من باريس ستشهد نقاشاً وخلافاً حامياً على خلفية مشاركة لبنان في مؤتمر بروكسل، وعلى خلفية ما قاله شهيب في شأن تحميل النظام السوري المسؤولية، وكذلك استبعاد الغريب عن المشاركة، على أن يضع الحريري المجلس في صورة ما حصل في المؤتمر، ويكرر تأكيد الالتزام بما جاء في البيان الوزاري".

وبدأت حدة الأزمة تتصاعد في الساعات الأخيرة إثر موقف رئيس "التيار الوطني الحر"، وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، الذي شن هجوماً على المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن عدم مشاركته في مؤتمر بروكسل، هي بسبب ما سماه "ضغط بعض الدول الكبيرة لمنع عودة النازحين". واعتبر أن "هذه المؤتمرات تموّل بقاء النازحين في مكانهم، ونحن نريدها أن تموّل عودتهم إلى بلادهم".

ولكن تصويب باسيل لم يكن فحسب على المجتمع الدولي، بل أيضاً على الشق اللبناني، كونه ربط استمرارية الحكومة باللاجئين السوريين قائلاً: "إمّا عودة النازحين أو لا حكومة". كما انتقد ضمناً الحريري عندما أشار إلى أن "من يريد عودة النازحين عليه أن يوقف كذبة التطبيع مع سورية، لأنّ علاقتنا قائمة وليست مقطوعة مع سورية، ولا تحتاج إلى تطبيع".



المساهمون