مؤتمر برلين بشأن ليبيا: مؤشرات تنذر بالفشل

25 يناير 2020
الصورة
حفتر يصعد عسكرياً (محمود تركي/فرانس برس)
+ الخط -
لا يحتاج المتابع للأزمة الليبية كثيراً من عناء ليتكهن بنتائج المؤتمر الدولي الذي جمع قادة أبرز الدول المتدخلة في الملف الليبي في برلين، الأحد الماضي، فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لم يزد انطباعها حول المؤتمر التي رعته عن القول إنه "فتح باباً من الأمل"، لتترجم معنى قولها إن المؤتمر سيعقد في "ظل تفاهمات الحد الأدنى" عند إعلانها استضافة بلدها للمؤتمر بشكل رسمي خلال زيارتها لموسكو، فالملف الليبي لا يزال حتى الآن يطوف بالعواصم الكبرى والمجاورة لليبيا بحثاً عن دعم لتلك المخرجات.

وحتى صباح اليوم السبت لا تزال المحاور على حالها تشهد اشتباكات متقطعة بالمدفعية والصواريخ دون تحقيق أي تقدم من حكومة الوفاق، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، فيما يشبه إعلان نية الطرفين بخرق الهدنة الهشة المعلنة منذ 12 من الشهر الجاري.

وتظهر جلياً أولى مؤشرات فشل اتفاق برلين، بحسب المحلل السياسي الليبي مروان ذويب، لا سيما في ظل غياب كامل لقائد قوات الاعتداء على العاصمة خليفة حفتر الذي ماطل مرتين في التوقيع على اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، في موسكو ثم في برلين.

وتبدو، بحسب ذويب، الأنباء عن التحشيدات العسكرية التي يرسلها حفتر لمحاور جنوب طرابلس والتلويح بورقة النفط من خلال وقف صادرات النفط دليلاً كافياً على رغبته في كسب الوقت لمعاودة التصعيد العسكري وضرب الحائط بكل الاتفاقات الدولية.

تراجع الصوت الأوروبي

على الصعيد الدولي، ورغم تراجع الصوت الأوروبي والحديث عن لجنة دولية لمراقبة وقف إطلاق النار، تبدو أنقرة وباريس الأكثر نشاطاً هذه الأيام، فبعدما عرقلت فرنسا صدور قرار أممي يطالب حفتر بإعادة العمل لمواقع النفط عادت التصريحات التركية لحدتها الأولى، فقد أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تمسك بلاده بدعم حكومة الوفاق، موضحاً أن "الجنود الأتراك يقدمون الدعم في مجال الأنشطة التدريبية".

ويشير تأكيد أردوغان، خلال مؤتمر صحافي جمعه بالمستشارة الألمانية انجيلا ميركل في أنقرة، أمس الجمعة، على استمرار حصول حفتر على اعتراف ضمني من بعض الدول رغم فراره من طاولة الحوار في موسكو، ولم يوقع على نص اتفاق برلين.

وهذه المؤشرات قد تقود إلى تفتت الكتلة الدولية، التي اجتمعت في برلين، ولا تزال ميركل تكافح من أجل الحفاظ على تماسكها، رغم اعترافها بأن "الهدنة لا تزال هشة"، وأن حفتر ماطل في التوقيع على مخرجات برلين، الأحد الماضي.

وهي نتائج، يرى ذويب في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنها تعكس وصول مسار برلين إلى طريق مسدود كسابقيه من المبادرات الدولية، والسبب في رأيه "حفتر الذي يمثل العامل الثابت في عرقلة كل المساعي الدولية والمحلية والمصر على تنفيذ مشروعه العسكري في ليبيا ومن ورائه داعموه".

وحددت نتائج قمة برلين ثلاثة مسارات للحل في ليبيا (عسكري وسياسي واقتصادي). وأولت المسار العسكري اهتماماً كبيراً لتعلقه بوقف القتال وبدء مشاورات من أجل توحيد المؤسسة العسكرية، لكن المجلس الأعلى للدولة برفقة النواب المجتمعين في طرابلس اشترطوا، في بيان مشترك الأربعاء الماضي، بدء عملية الحوار السياسي كـ"ضرورة الالتزام بتدابير وقف إطلاق النار، وتنفيذ ترتيبات المسار العسكري"، ما اعتبره الباحث الليبي في الشؤون السياسية، سعيد الجواشي، أولى الدلائل التي تؤكد فشل قمة برلين.

كواليس اللجنة العسكرية

ورغم تسمية أعضاء اللجنة العسكرية(5 + 5) في كواليس مؤتمر برلين إلا أن عدم الإعلان عنهم حتى الآن، وعدم بدء أعمال لجنتهم قد يعكس وجود عراقيل أخرى. ويفصح مصدر مسؤول مُقرّب من حكومة الوفاق عن بعضها، مفضلاً عدم نشر اسمه، بالقول إن "حفتر طلب أن يكون الضباط الممثلون للحكومة هم أنفسهم المشاركون في محادثات توحيد المؤسسة العسكرية التي استضافتها القاهرة العام الماضي".

ويشدّد في حديث لـ"العربي الجديد"، على أنّ "حفتر لن يتوقف عن تأخير عمل هذه اللجنة التي يعرف جيداً أنها ستخرجه من مواقع سيطرته في جنوب طرابلس"، كاشفاً انّ "تحديد نقاط التماس بين قواته وقوات الحكومة لن يكون داخل الأحياء السكنية جنوب العاصمة بل خارجها".

وفي السياق، لفت الجواشي في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن "التفاؤل الألماني كان منخفضاً من اللحظات الأولى وكان يدل على شعور ميركل بأن تلك القاعة المقفلة في عاصمة بلادها لن تنتج شيئاً رغم كل مساعيها لأن تكون كل الأطراف مشاركة بمن فيهم قادة طرفي النزاع حفتر وفائر السراج (رئيس حكومة الوفاق)".

وبحسب، الجواشي، فقد "حضر حلفاء حفتر لجس نبض الموقف الدولي وتأكدوا أن الخلافات لا تزال على حدتها فلا أوروبا توحدت ولا ميزان القوى الذي حاولت تركيا معادلته بتقارب مع روسيا قد قوّى من موقف حكومة الوفاق".

وحتى المسارات الثلاثة، يؤكد الجواشي، أن تقسيم الإشراف عليها يعكس استمرار الخلافات، موضحاً "فالمسار الاقتصادي أوكل الاستمرار فيه لواشنطن التي ترعى حواراً اقتصادياً، أما المسار الأمني والعسكري لأوروبا، في حين السياسي للبعثة الأممية التي رجعت به لخانة الصفر ما قبل محادثات الصخيرات".

وعلاوة على مماطلة مجلس النواب المجتمع في طبرق حتى الآن في تحديد أسماء اللجنة التي ستمثله في لقاء جنيف المقرر عقده نهاية الشهر الجاري، فإنّ أعضاء لجنة الحوار السياسي لم تتحدد، وهي محل شك بحسب رأي، الجواشي، الذي أوضح رأيه بالقول إن "اللجنة التي ستتحاور سياسياً في جنيف تتألف من 40 عضواً سيختار غسان سلامة (المبعوث الأممي إلى ليبيا) 14 عضواً منها، مقابل 13 لكل من مجلسي الدولة والنواب"، مؤكداً أن "سلامة كعادته في كل أعماله السابقة لم يعلن عن المعايير التي سيختار بها 14 عضواً".

ورأى أن "طريقة عمل المبعوث الأممي تكرار لعمله في لقاء غدامس السابق الذي لقي استنكاراً كبيراً لطريقة عمله الغامضة في تحديد المشاركين فيه".

وبين أن "الأسئلة بدأت تتوالى حول كيفية بدء حوار سياسي لتأليف حكومة جديدة وحفتر يصعد عسكرياً، ولا يقبل بأي اتفاق لوقف القتال"، متسائلاً "كيف سيتحاور الليبيون مع رجل اعترف الأمين العام للأمم المتحدة الثلاثاء الماضي بأنه مجرم حرب وأكد مسؤوليته عن مقتل المئات من المدنيين؟".