مؤتمر البحرين.. كل هذه السطحية

25 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
يقوم مؤتمر البحرين المُقرَّر عقدُه اليوم وغدا (25 و26 يونيو/ حزيران)، على تفعيل المستوى السطحي مقابل تعطيل، أو إضعاف، فاعليَّة البِنية العميقة، وذلك باستحضار التعاطي الاقتصادي، المعيشي، وإقصاء البُعْدِ الوطني السياسي، مسوِّقًا الازدهار والرفاهية، بوعودٍ "مغريةٍ" للفلسطينيين؛ بجلب استثمارات تتجاوز 50 مليار دولار، وتوفير مليون فرصة عملٍ للفلسطينيين، ومضاعفة ناتجهم المحلِّي، وذلك بإنشاء صندوقٍ استثماريٍّ عالميٍّ لتمويل إصلاح الاقتصاد الفلسطيني، ودعم اقتصاد الدول العربية المجاورة، وذلك خلال عشرة أعوام، بالإضافة إلى إنشاء ممرٍّ يصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
تدَّعي واشنطن أنَّ هذه الخُطَّة تمثِّل الحلَّ الأكثر إيجابيةً وواقعية الذي من شأنه أن يضمن الأمن، والكرامة (!) والفُرَص غير المسبوقة. وإذ يَعيب مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومهندس الخطَّة، جاريد كوشنر، على الفلسطينيين تعلُّقَهم بما سمَّاها أُطُر الماضي عديمة الجدوى، فإنَّ الإدارة الأميركية تتماهى مع جنوح إسرائيل الكبير نحو الأبعاد الدينية للصراع، المُفضِي إلى مزيدٍ من العنصرية والإلغاء للحقوق الفلسطينية والعربية.
ويأتي تدشين هذا المسار الاقتصادي على حساب المسار السياسي، في سياق أزمةٍ اقتصاديةٍ، تعاني منها السلطةُ الفلسطينية فاقمَها اقتطاعُ دولةِ الاحتلال جزءا من أموال المقاصَّة؛ بحجَّة أنه 
يمثِّل نصيب أُسَر الشهداء، والجرحى والأسرى، وترفض السلطة الفلسطينية استلامَ تلك الأموال منقوصة. وهنا يتضح أثرُ الموقفِ العربي غير المتعاون، ماليا، مع السلطة الفلسطينية، إذ تفسح الأزمةُ المالية مجالا أوسع لتفعيل هذا الطرح الأميركي الإسرائيلي الذي يداعب المتطلَّبات المعيشية الصِّرْفة.
ولا تزال القيادة الفلسطينية متمسِّكةً بالبُعْد السياسي، ولا تزال، في هذا، قادرةً على تمثيل التيَّار الواسع من الفلسطينيين، وإن تعرَّضت، ولا تزال تتعرَّض لانتقاداتٍ كثيرة وجوهرية، لكن هذه المنطقة المشتركة التي تموضعت فيها لا منازَعةَ، أو تشكيكَ، في ضرورتها. وإن اختُلِفَ بَعْدَها في المدى الذي ينبغي للفلسطينيين الذهاب إليه، وفي الدور العمليّ الذي يلزم قيادة السلطة الاطِّلاع به؛ لاجتراح حلولٍ حقيقيةٍ تحُول دون استمرار التصفية.
وتتمظهر العقبة أمام صفقة القرن، ومدخلها "مؤتمر البحرين"، في أمورٍ رمزية، وهي الموقف من الشهداء والجرحى والأسرى. وفي معضلةٍ وطنية سياسية حقوقية؛ في الموقف من القدس والاستيطان، وحقِّ العودة واللاجئين، والدولة وتقرير المصير. وحتى هذه القضايا الوطنية السياسية تنطوي على رمزية كبيرة، كما القدس مثلا، بأبعادها الروحية والحضارية.
وعلى الرغم من أننا قد لا نعدم مؤشِّراتٍ فرديةً على تعاطٍ مع هذا المسار الاقتصادي، إلا أنها تبقى مواقف محصورة ومنبوذة، لا تقوى على الجهر، ولا تقوى على معاندة الاتجاهات العامة، والمكرَّسة في الشعب الفلسطيني والعربي، أيضا. ولذلك، أشار كوشنر إلى بوادر نجاح محدودة، بمشاركة مَن زعم أنهم رجالُ أعمالٍ فلسطينيون لم يصرَّح بأسمائهم، في خروج ما عن توجُّهات القيادة الفلسطينية ومواقفها، وهو الأمر الذي لم يكن، بحسب وصفه، يحدث من قبل.
وتكمن خطورة ورشة البحرين في كونها فاعليةَ تجاوُزٍ عمليٍّ؛ بالحسم الأميركي لقضايا سياسية جوهرية، وهي قضيتا القدس واللاجئين، ثم الحدود والاستيطان، وفي التشكيك بقدرة الفلسطينيين على تسلُّم زمام أمرهم، سياسيا، وأنَّ مَطْلَبهم بدولةٍ مستقلَّة طموحٌ عالٍ، لم يتأهّلوا له، كما قال كوشنر، ففي الانخراط فيها إهالةُ مزيدٍ من التراب على ذلك التعاطي السياسي الذي ظلَّ العالمُ يأخذ به، حتى الولايات المتحدة نفسها، ولو من دون جِدِّية كافية، حتى وقت قريب. ولا يشكِّكُ في ذلك زَعْمُ البيت الأبيض أنَّ "هذه الخطة الاقتصادية لن يتمَّ تفعيلُها، إلا بعد التوصُّل إلى اتفاقٍ سياسيٍّ بين الإسرائيليين والفلسطينيين"؛ لأن ذلك "الاتفاق السياسي" سيكون، حينها، منهوكا ومُفرَّغا من أهمِّ مكوّناته.
ولا تخفى الخطورة في قبول التعاطي الاقتصادي مع القضية الفلسطينية التي هي في الأساس 
قضية وطن وشعب، وهي في وجهها الأول، نتاج اختلالٍ في القوة، بين الأمة التي ينتمي لها الشعب الفلسطيني والدول الغربية الاستعمارية، وتحديدا بريطانيا، (ثم أميركا)، إذ يُحيل هذا التعاطي الاقتصادي إلى مشاريع اقتصادية (غير مستندة إلى أرضية ذاتية ضامنة) وإلى مطالبات مالية معرّضة للتذبذب والتراجُع والخذلان.
وسواء نجح مؤتمر البحرين، أو فشل، (وهو إلى الفشل أقرب)، فإنه يعكس التحوُّل الجوهري في تعاطي الإدارة الأميركية برئاسة ترامب، مع هذه القضية الفلسطينية التي استعصت على الحل، على مدى عقود، فهو خطوةٌ عمليةٌ تهدف إلى تأبيد الاحتلال، وإجهاض حلِّ الدولتين؛ لصالح "تحسيناتٍ" تساعد على تعايُش الفلسطينيين مع الاحتلال، والاستيطان، وما يعنيه ذلك من استمرار في تهويد القدس، وقضم الأراضي، ونهب الموارد؛ الأمر الذي يأتي أيضا على السلطة الفلسطينية ومصيرها، كما أن إصرار الإدارة الأميركية على المضيّ في هذا المسار، على الرغم من رفضه من السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينيتين، يدلّ على الاستخفاف بـ "المعتدلين" من الفلسطينيين، المُصرِّين على الالتزام بالقانون الدولي، والثابتين على نبذ العنف، في النضال. وربما تتعانق الآمال، أو الأوهام الأميركية والإسرائيلية في إنضاج شخصيات فلسطينيةٍ تقبل بخفض السقف أكثر مما استطاعته السلطة والمنظمة.
وذلك كله بمباركة رسمية، فعلية، من نظُمٍ عربية باتت لها أولويات "وجودية" تشغلها، مِن قبيل الثورات المضادَّة للربيع العربي الذي يمثِّل فرصةً للشعوب العربية، نحو أنظمة أكثر عدالة وتمثيلا، ومِن قبيل الخطر الإيراني الذي بات يشكّل ذريعة لمزيدٍ من تطبيع العلاقات مع إسرائيل.