مؤتمر "الجمهوري" التونسي... محاولة أخيرة لإنقاذ حزب تاريخي

03 فبراير 2017
الصورة
تأسس "الجمهوري" على يد الشابي والجريبي (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

يشكل المؤتمر السادس للحزب الجمهوري التونسي، الذي يعقد في 3 و4 و5 فبراير/شباط الحالي، فرصة هامة، لعلها تكون أخيرة لإنقاذ أهم الاحزاب التونسية التي ناضلت من الداخل ضد الدكتاتورية، وشكّلت ملجأ حقيقياً لكل المدافعين عن حياة سياسية ديمقراطية وحرة، ودفعت من أجل ذلك ثمناً باهظاً. وجاءت تسمية الحزب بالجمهوري بعد الثورة، إذ كان يحمل اسماً آخر قبلها، هو الحزب الديمقراطي التقدمي الذي تأسس في بداية ثمانينيات القرن الماضي، على يد أحمد نجيب الشابي، الذي كان يُعدّ من أبرز معارضي الرئيس التونسي المخلوع، زين العابدين بن علي، مع عدد من المناضلين الآخرين، مثل شقيقه عصام الشابي (المتحدث الرسمي الحالي للحزب)، ومية الجريبي (المناضلة المعروفة والمرأة الوحيدة القائدة لحزب سياسي في تونس)، التي بقيت أمينة عامة برغم حالتها الصحية الصعبة، وهي أيضاً من أشرس المعارضين التونسيين قبل الثورة وبعدها أيضاً.

ويعتبر الحزب الجمهوري مدرسة سياسية بامتياز، فقد تخرج منه عدد لا يحصى من المناضلين التونسيين، الذين توزعوا بين الأحزاب بسبب المشاكل التي شهدها الحزب في السنوات الأخيرة. وتأسس "الجمهوري" على أساس فكرة كتلة سياسية تضم عدداً من الأحزاب التونسية، لكن هذا العقد انفرط بسرعة كبيرة نتيجة الخلافات الموجودة والطموحات الشخصية لعدد من القادة قبيل الانتخابات الماضية. ولعل الإشارة إلى بعض هذه الأسماء توضح أهمية هذا الحزب في الحياة السياسية التونسية اليوم، لكنها تعكس أيضاً حجم خساراته بسبب هذه المشاكل في السنوات الأخيرة. فرئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، هو أحد أعضاء الحزب، قبل أن يغادره إلى نداء تونس، مثل وزير الصحة السابق، سعيد العائدي، والوزير الحالي المتحدث الرسمي باسم الحكومة، إياد الدهماني، ومدير الديوان الرئاسي الحالي، سليم العزابي، ووزير التعليم الحالي، ناجي جلّول الذي انضم بدوره إلى نداء تونس، والصحافي المعروف رشيد خشانة، والدكتور عبد اللطيف الهرماسي، ورئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين، ومحمد القوماتي الذي انضم أخيراً إلى حركة النهضة، وفتحي التوزري الذي شغل منصباً حكومياً سابقاً بعد الثورة، والوزير الحالي، مهدي بن غربية، والنائبين السابقين محمد الحامدي ومحمود البارودي (انشقا لتأسيس التحالف الديمقراطي)، ومجموعة أخرى انضمت إلى الحزب الجمهوري ثم عادت إلى حزب آفاق تونس (سعيد العائدي وياسين إبراهيم ورياض المؤخر)، وعدد لا يحصى من المناضلين والمناضلات الذين غادروا الحزب في اتجاهات أخرى.

وبعد اندلاع الثورة ظن كثر أن الحزب سيُصبِح القوة السياسية الأبرز في البلاد، وخصوصاً أن بقية الأحزاب المعارضة لم تكن ذات هيكلية، وكانت مشتتة وغالبية قياداتها في المهجر. لكن كل تلك التوقعات سقطت، ووجد الحزب نفسه من جديد في موقع المعارضة، بعد أن نجحت أحزاب أخرى بالتصدر، أهمها النهضة، والمؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل من أجل العمل والحريات، التي شكلت معاً ائتلاف "الترويكا". ويعتبر كثيرون أن الأخطاء التي ارتكبها زعيم الحزب ومؤسسه، أحمد نجيب الشابي، بُعيْد الثورة كانت قاتلة، ووجهت ضربات موجعة لصورة الحزب، جعلته يتراجع بشكل مخيف. فقد قرر الشابي أن يمسك بحقيبة التنمية الجهوية في ما سمي بحكومة الوحدة الوطنية الأولى، التي قادها محمد الغنوشي (رئيس الحكومة في زمن بن علي)، وقوبل القرار بانتقادات واسعة من داخل الحزب وخارجه. واعتبر كثر أن خطوة الشابي كانت قفزة في المجهول، وعكست رغبة جامحة في المسؤولية تحت أي مسمى وبأي ثمن، ليصبح المسار الشخصي للشابي محل جدل كبير بعد أن ترشح إلى الانتخابات الرئاسية، وفشل في ذلك فشلاً كبيراً، واتخذ مواقف سياسية مرتبكة بخصوص علاقة الحزب بمكونات المشهد التونسي، ما أثار خلافات حادة دفعته إلى مغادرة الحزب، والإعلان عن تأسيس حزب جديد، عشية انعقاد مؤتمر حزبه السابق، ما أثار لغطاً عن بعد بين الشقيقين نجيب وعصام، حول جدوى المبادرة الجديدة وحالة الحزب القديم.

وبغض النظر عن هذه الخصومات السياسية، يطرح مؤتمر الحزب الجمهوري سؤالاً مركزياً حول قدرة الحزب، الذي لم يحصد سوى مقعد وحيد في مجلس نواب الشعب، على العودة إلى الحياة من جديد كقوة سياسية فاعلة في البلاد، وهو ما يراهن عليه عصام الشابي وعدد من مؤسسي الحزب، بعودة الكوادر الكثيرة التي غادرته منذ سنوات. ويؤكد عصام الشابي، المتحدث الرسمي باسم الحزب والمرجح لأن يكون أمينه العام، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هذا المؤتمر يعتبر بالفعل، محطة لعودة الحزب إلى موقعه الطبيعي، بعد ما وصفه بـ"تسونامي الانتخابات الأخيرة" التي عصفت بكثير من الأحزاب، ومرحلة الشك التي دبّت في صفوف كوادره. ويلفت إلى أن الحزب قام بمراجعات لما حصل معه طيلة هذه الفترة، وقيّم مسيرته بعد الثورة، لأن ما قبلها هو رصيد الحزب الحقيقي وإرثه الذي فشل في تحويله إلى ورقة انتخابية. ويضيف "ارتكبنا أخطاء وقيمناها على مستوى التحالفات والقرارات السياسية، لكن ينبغي ألا تتحول إلى عملية جلد الذات لأنها مدمرة، ولكن في إطار استشراف للمستقبل". ويتابع "صحيح أننا أخطأنا في حق أنفسنا، لكننا لم نخطئ في حق البلاد"، لأن قرارنا كان صائباً دائماً بما يتعلق بالخيارات الوطنية، لكن خيارات الحزب الانتخابية بالذات هي التي كانت خاطئة.

ويعتبر الشابي أن هذا المؤتمر فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار إلى الحزب من ناحية وللعمل السياسي ككل من ناحية أخرى، إذ ينبغي أن يكون مبنياً على أفكار وقيم ومبادئ، لأن التونسيين أصيبوا بخيبة أمل من أحزاب خدعتهم. وسيعتمد في ذلك على عودة بعض الكوادر القديمة من ناحية، وعلى "الحمض النووي للحزب الديمقراطي التقدمي"، لكنه يعوّل على كوادر جديدة، شبابية ونسائية، مرجحاً أن يقترب تكوين المكتب الجديد من التناصف بين الرجل والمرأة. ولئن كانت حالة الحزب الجمهوري خاصة في بعض ملامحها، فإنها تعكس وضعاً حزبياً تونسياً عاماً، إذ عصفت انتخابات 2011 و2014 بعدد من الأحزاب، وأطاحت ببعضها وأبرزت أخرى، وغيّرت المشهد السياسي برمته، وذهبت في غالب الأحيان عكس توقعات المراقبين، ما يؤكد أن تفاعلات ما بعد الثورة، السياسية والحزبية، في حراك دائم، وأن التونسيين لم يستقروا بعد على خيار سياسي واضح، وأن الانتخابات المقبلة قد تأتي بالجديد.

محطات بارزة في مسيرة الحزب

تأسس الحزب الديمقراطي التقدمي في 13 ديسمبر/كانون الأول 1983 باسم "التجمع الاشتراكي التقدمي"، بمبادرة من مجموعة من الشخصيات، أبرزها المحامي أحمد نجيب الشابي الذي تولى الأمانة العامة للحزب حتى 2006. حصل على موافقة قانونية في 12 سبتمبر/أيلول 1988. واحتج على تزوير انتخابات 1989 التي فاز فيها الحزب الحاكم بكل مقاعد مجلس النواب، وقرر مقاطعة الانتخابات البلدية التي تلتها. غيّر اسمه، خلال مؤتمره في يونيو/حزيران 2001، إلى الحزب الديمقراطي التقدمي، داعياً إلى إرساء الديمقراطية والحريات.

شارك في الانتخابات التشريعية في 1994 و1999، وكان الحزب المعارض الوحيد الذي لم يفز بأي مقعد، رغم صدور قانون يمنح 20 في المائة من مقاعد مجلس النواب للمعارضة، ما استبعده من قائمة أحزاب المعارضة الكارتونية. عارض في العام 2002 التعديلات الدستورية التي تمنح الرئيس المخلوع، زين العابدين بن علي حصانة قضائية وتمكنه من تمديد ولايته. وقاطع انتخابات 2004. وساهم في العام 2005 في تشكيل جبهة 18 أكتوبر من مشارب سياسية مختلفة، وفي ديسمبر/كانون الأول 2006 انتخب مية الجريبي أمينة عامة له.

في سبتمبر 2007 دخل الشابي والجريبي في إضراب عن الطعام بسبب ملاحقة قضائية على خلفية سياسية، ترمي لإخراج الحزب من مقره في العاصمة تونس. وساند الحزب الحركة الاحتجاجيّة الواسعة في الحوض المنجمي في 2008، ودعمها إعلامياً عبر صحيفته "الموقف"، وقانونياً بتولي أحمد نجيب الشابي، بصفته محامياً، الدفاع عن الموقوفين. قاطع انتخابات 2009، وهي السنة التي عرف فيها هزة سياسية باستقالة 27 من قياداته وكوادره احتجاجاً على توجهه وطريقة إدارة علاقاته مع بقية الأطراف السياسية. وشارك في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر/تشرين الثاني 2011، وحل في المرتبة الخامسة بـ16 مقعداً. وفي 2012، أسس مع تسعة أحزاب أخرى الحزب الجمهوري لكنه لم يفز إلا بمقعد وحيد في مجلس نواب الشعب، بعد خروج كوادره وتأسيس أحزاب أخرى.

المساهمون