مأساة كشميرية ونعمة سلفادورية وفوضى برازيلية

13 ابريل 2020
+ الخط -

ـ بعد أن قرأت تدوينة حزينة كتبها مواطن مقيم في شمال سيناء يرجو فيه من أصدقائه المقيمين خارج سيناء أن يفكروا في شكاويهم المريرة من العزلة وحظر التجول، وأن يتذكروا أن أهالي شمال سيناء يعانون من آثار العزلة وحظر التجول منذ سنوات، دون أن يُسمح لهم حتى بالشكوى في وسائل الإعلام، وجدت في مجلة (ذي ويك) الأميركية مقتطفات من مقال كتبه رياز واني في مجلة (تيهيلكا) الهندية تحت عنوان (أهل كشمير يعيشون العزلة مجدداً)، متحدثاً عن الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومة الهندية التي يسيطر عليها المتطرفون الهندوس، وفرضتها منذ الصيف الماضي على كشمير التي تعتبر الولاية الوحيدة في الهند التي توجد بها أغلبية سكانية من المسلمين، حيث قامت الحكومة الهندية بإلغاء الوضع الإداري الخاص الذي كانت تتميز به كشمير، وقطعت عنها خدمات الإنترنت وأرسلت قوات عسكرية لفرض الحكم الفيدرالي على الولاية وسكانها، وحين اندلعت المظاهرات اعتراضاً على هذه القرارات، تم ضربها بقوة باستخدام الرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسيلة للدموع، وأعلن حظر تجول ظل مستمراً منذ عدة أشهر.

قاوم أهالي كشمير حظر التجول السابق المفروض عليهم بالقوة، إلا أنهم كما يقول الكاتب لم يعترضوا على حظر التجول الجديد المفروض بسبب فيروس كورونا، وتقبلوه بدون مقاومة خوفاً من جائحة كورونا، لأنهم يعرفون أن مستشفياتهم تمتلك نظاماً صحياً بدائياً بسبب اضطهاد الحكومة المركزية لأهالي كشمير عبر السنين، حيث يوجد في الولاية كلها 97 جهاز تنفس اصطناعي يخدمون حوالي 8 مليون مواطن، ولذلك يحاول الكشميريون تقليل الأسباب التي يمكن أن تدفعهم إلى اللجوء إلى المستشفيات، لكنهم في الوقت نفسه يطالبون الحكومة الهندية بإعادة خدمة الإنترنت التي لا تعتبر رفاهية في هذه الأوضاع المأساوية، بل ضرورة لا غنى عنها لتبادل المعلومات عن الفيروس وانتشاره وطرق الوقاية منه والتواصل بين السكان للتعاون على تجاوز هذه الأزمة.

ومع أن التزام أهالي كشمير بحظر التجول والتباعد الاجتماعي أدى إلى وجود حالات قليلة أصيبت بالفيروس في الولاية حتى الآن، إلا أن غياب نظام موسع للفحص في الولاية، لا يدفع الأطباء والمختصين للتفاؤل بمستقبل انتشار الفيروس، الذي تغلب الخوف من آثاره على مخاوف القمع والبطش، لكنه لم ينهها، لأن أهالي كشمير يعرفون أن السلطات لن تغير موقفها منهم بعد انتهاء الأزمة، وهو ما يحدث بالضبط للأسف في سيناء التي ظل الكثير من أهاليها طيلة السنين الأخيرة محاصرين بين نيران الإرهاب وبطش الأمن وسوء الإدارة الحكومية وفشلها، ليضفي فيروس كورونا المزيد من البؤس على تفاصيل حياتهم التي لا يفكر فيها ملايين المصريين، الذين نجح الإعلام الحكومي والموجه في تشويه صورة أهالي سيناء لديهم، بحيث لا يتقبلون أي حديث عن معاناتهم، ويحملونهم وزر ما يجري على أرضها من عمليات إرهابية.
...


ـ في النمسا اختار الآباء والأمهات أن يأخذوا حقهم من الحكومة "ناشف" بدلاً من الاكتفاء بالشكوى المريرة من اضطرارهم إلى الجمع بين العمل من المنزل والانشغال برعاية وتعليم أطفالهم الذين أخذوا أجازة طويلة من المدارس والحضانات، وهي مهمة قالت الكاتبة بريجيت شاتز في صحيفة (دير ستاندارد) إنها منافية للمنطق، لأن الأطفال يحتاجون إلى من يرعاهم ويراقبهم ويسليهم ويعلمهم طيلة الوقت، بينما ينتظر رؤساء العمل من الآباء والأمهات الوفاء بالتزاماتهم الإدارية من تقارير وحضور اجتماعات وخلافه، ولذلك تلقت الحكومة النمساوية سيلاً من الاحتجاجات والمطالبات بالتدخل لحل المشكلة، فعرضت منح الآباء والأمهات أجازة مدفوعة الأجر لمدة ثلاثة أسابيع لرعاية أطفالهم، لكنها اشترطت موافقة جهة العمل، وهو ما اصطدم برفض العديد من مدراء المؤسسات والشركات والهيئات الحكومية والخاصة، ويبدو أن الحكومة النمساوية تحاول كسب الوقت، قبل أن تبدأ في إجراءات تخفيف العزل والتباعد الاجتماعي، وتعيد الموظفين والعمال إلى أعمالهم، وهو ما أعلنت عنه مؤخراً، مستندة إلى أنها كانت من الدول الأوروبية القليلة التي بدأت إجراءات الوقاية من الفيروس مبكراً، وهو ما أدى إلى السيطرة على تداعيات الوباء إلى حد كبير، واعتبرت الحكومة النمساوية ـ في موقف مشابه لموقف الحكومة الدانماركية ـ أن الوقت قد حان لإعادة الأمور إلى طبيعتها في أقرب وقت.

كما تقول الكاتبة، يشكو كثير من الموظفين والموظفات في النمسا من الضغط الذي يتعرضون له من رؤسائهم، منذ أن بدأوا العمل من البيوت، لكي يسخروا كامل وقتهم للعمل حتى بعد أن تنتهي مواعيد العمل الرسمية، وفي أيام العطلة الأسبوعية أيضاً، وهو ما يثير تساؤلاً عن الطريقة التي سيتصرف بها الآباء والأمهات لو استمر تطبيق قرار العمل من البيوت، مع مجيئ الأجازة الصيفية التي ستستمر تسعة أسابيع، سيضطر الآباء والأمهات فيها للجمع بين مهام العمل ورعاية الأبناء، ولذلك يحاول كثير من أولئك الآباء والأمهات تنظيم جهودهم للضغط على الحكومة، لتقوم بمنح أحد الأبوين إعانة مالية مكافئة لإعانة البطالة، ليتمكن أحد الأبوين في كل أسرة من تولي مهام رعاية الطفل، خاصة أن استمرار إجراءات العزل والتباعد الاجتماعي سيوجب استكمال غلق الحضانات ومراكز رعاية الأطفال.

تختم الكاتبة مقالها قائلة: "لدينا التزام كمجتمع أن نساعد الآباء والأمهات على رعاية أبنائهم، لأن رعاية ودعم الأطفال ليست مسألة خاصة"، وهي عبارات لن تستقبلها بهدوء، إذا كنت قد قرأت للتو ما كتبه زميل دراسة يثني فيه على مقولة عبد الفتاح السيسي الخالدة عن مواطن لم يجد كمامة خلال عمله في موقع إنشاء: "ده لو اتصاب مين اللي هيصرف عليه؟"، معتبراً أن هذه المقولة تجسد روح المسئول المهتم بشعبه والخائف عليه، وأن حصول العامل على الكمامة يشكل غاية المراد من رب العباد بالنسبة لطبيب الفلاسفة.
....

ـ في السلفادور تسببت مصيبة انتشار فيروس كورونا في التقليل من آثار مصيبة أقدم هي جرائم القتل المنتشرة في البلاد منذ سنوات، حيث انخفض معدل جرائم القتل المريع والأعلى في العالم، بسبب فرض حظر التجول لمدة شهر، حيث أعلن وزير العدل روجليو ريفاس أن 65 مواطناً سلفادورياً فقط قتلوا خلال شهر مارس الماضي، وهو أعلى عدد لجرائم القتل في تاريخ السلفادور، والذي يصل في "العادي بتاعه" إلى ستمائة حادثة قتل كل شهر، لكن وزير العدل حاول نسبة ذلك الانخفاض الحاد والتاريخي في جرائم القتل إلى جهود رجال الجيش والشرطة المضنية، وهو ما سخر منه الكثير من المعلقين الذين اعتبروا أن الفضل في ذلك الانخفاض يعود إلى فيروس كورونا، والذي دفع العديد من زعماء وأعضاء عصابات تجارة المخدرات التي تتحكم في مدن السلفادور، إلى التدخل لفرض حظر التجول بأنفسهم، حيث وجهوا تهديدات قاطعة للسكان بأنهم سيستخدمون العنف مع كل من يفكر في تجاوز عتبة بيته، فحتى زعماء العصابات يدركون أنك لن تستطيع الانتفاع من شعب تفشى فيه المرض، حتى فيما يخص زعماء العصابات التي تحكم البلاد، بعض الشعوب حظها أحسن من بعض.


خذ عندك البرازيل مثلاً التي يدفع مواطنوها غالياً ثمن اختيارهم لرئيس غوغائي وجاهل مثل جايير بولسانارو، الذي لا زال مصمماً على مواقفه المقللة من خطورة فيروس كورونا، والمتبنية لنظريات المؤامرة التي ترى أن انتشاره ليس إلا مؤامرة تقودها النخب الليبرالية واليسارية حول العالم، وبسبب قراره عدم فرض أي نوع من أنواع حظر التجول، ارتفع عدد الحالات المصابة بالفيروس ليصل في الأسبوع الماضي إلى 14 ألف حالة، فضلاً عن وجود 700 مواطن برازيلي لقوا حتفهم بسبب الفيروس، وهو ما دفع وزير الصحة البرازيلي لويس هنريك مانديتا إلى الخروج على طاعة الرئيس البرازيلي، ليدعو البرازيليين إلى البقاء في منازلهم لتقليل انتشار الفيروس، وكان العديد من حكام الولايات البرازيلية قد سبقوه وأعلنوا حظر التجول في ولاياتهم، برغم كونهم من مؤيدي بولسانارو، إلا أن لمسهم للمصائب التي أحدثها الفيروس في المستشفيات دفعهم للتمرد على سياسته، وبدأت وسائل الإعلام تتداول أخباراً عن غضب الجيش من سياسات الرئيس البرازيلي، وقيامه بالتنسيق مع وزارة الصحة وحكام الولايات لمحاولة تحجيم انتشار الفيروس.

وسائل الإعلام البرازيلية تتوقع أن يقوم بولسانارو المعروف بقراراته الغوغائية بإقالة وزير الصحة في أي لحظة، خاصة أن بولسانارو واصل استفزازه لمعارضيه بالنزول إلى شوارع المدن البرازيلية في جولات جماهيرية، لم يتوقف فيها عن مصافحة وتقبيل واحتضان مؤيديه، وحين سئل وزير الصحة لماذا لم يعلن استقالته اعتراضاً على سياسة بولسانارو، قال إنه في الأول والآخر طبيب، والطبيب لا يصح أن يقوم بالتخلي عن مرضاه، وأنه سيواصل أداء عمله حتى آخر لحظة، وهو موقف يختلف تماماً عن موقف زميله وزير التعليم أبراهام وينتروب والمعروف بسياساته اليمينية المتطرفة، والذي تبنى موقف بولسانارو بالكامل من الفيروس الذي يعتقد أنه مجرد دور أنفلونزا يمكن الشفاء منه بسهولة، لكنه كعادة المتطرفين من أمثاله، ناقض نفسه حين كتب تغريدة تتهم الصين بإحداث الوباء لكي تسيطر على العالم، وهو موقف يتناغم مع مواقف سابقة لدونالد ترامب حليف بولسانارو الأبرز، والذي استلهم وزير التعليم منه أيضاً فكرة التقليد الساخر خلال إعلان المواقف السياسية، ليقوم بالسخرية من طريقة الحديث الصينية خلال فيديو نشره على حسابه في (تويتر)، وهو ما احتجت عليه السفارة الصينية التي اعتبرت ما فعله "شديد العنصرية"، ولا أحد يدري إلى أين سيصل بالبرازيل وشعبها مثل هذا النوع المنحط من البشر الذين لم يسقطوا على الشعوب من السماء، بل جاءت بهم لنفسها بنفسها.