مأساة المناطق السورية المحاصرة: التفاف روسي وتراخٍ دولي

مأساة المناطق السورية المحاصرة: التفاف روسي وتراخٍ دولي

03 يونيو 2016
الصورة
تتفاقم معاناة أهالي المناطق المحاصرة (محمد كركس/الأناضول)
+ الخط -
يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة حول سورية، اليوم الجمعة، لبحث ضرورة إلقاء مساعدات إنسانية من الجو للمناطق المحاصرة، في وقت عارضت روسيا هذا الإجراء، وطرحت هدنة مؤقتة في دمشق وريفها لـ"تسهيل" دخول المساعدات إلى المناطق المحاصرة. في حين لا تزال المبادرة التي طرحتها المعارضة السورية لإعلان هدنة شاملة خلال شهر رمضان من دون رد إيجابي من قبل النظام السوري والأطراف الدولية المعنيّة.

واعتبر السفير الروسي لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، أن دخول قوافل المساعدات إلى داريا والمعضمية، بريف دمشق، يستدعي تجميد مشروع إلقاء مساعدات من الجو. فيما رأت وزارة الخارجية الأميركية أن تسليم المساعدات في سورية برّاً لا يكفي، داعية برنامج الأغذية العالمي للمضي قدماً في التخطيط لتسليم مساعدات إنسانية جواً إلى المناطق المحاصرة والتي تضم مئات الآلاف، كما جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية، جون كيربي.

وتشكك المعارضة السورية في جدية النيات الأميركية للمضي في خيار إلقاء المساعدات جواً، إذ تجنبت ذلك في مجمل المناطق المحاصرة من قبل قوات النظام، على الرغم من إقدامها على إلقاء مساعدات وأسلحة لمناطق كردية في شمالي البلاد، كان يحاصرها تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). كما اعتبر السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة فرنسوا ديلاتر أن حرية الوصول إلى المناطق المحاصرة ليست مؤمّنة، وينبغي على الأمم المتحدة، وخصوصاً برنامج الأغذية العالمي، تنفيذ عمليات إلقاء مساعدات إنسانية من الجو على كل المناطق المحتاجة إليها، و"بالدرجة الأولى داريا، والمعضمية، ومضايا، إذ يواجه السكان المدنيون، بمن فيهم الأطفال، خطر الموت جوعاً".

أمّا وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، فاعتبر أن الإسقاط الجوي للمساعدات "معقّد ومكلف ومحفوف بالمخاطر، إلا أنه حالياً هو الملاذ الأخير لتخفيف المعاناة البشرية في الكثير من المناطق المحاصرة"، داعياً كلاً من روسيا وإيران، اللتين تدعمان النظام السوري، إلى استخدام نفوذهما لضمان سلامة توصيل المساعدات جواً. بدورها، دعت رئيسة اللجنة الفرعية لمنع الأزمات في البرلمان الألماني، فرانتيسكا برانتنر، الحكومة الألمانية إلى التركيز على إقامة جسر جوي لإمداد المناطق المحاصرة في سورية، مطالبة بزيادة الضغط على رئيس النظام السوري بشار الأسد وضمان سلامة الإمدادات عن طريق الجو.

وكانت المجموعة الدولية لدعم سورية حدّدت الأول من يونيو/ حزيران الحالي مهلة نهائية لإدخال قوافل المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة تحت طائلة إصدار قرار أممي يجيز إلقاء المساعدات من الجو. وتقول الأمم المتحدة إن هناك أكثر من 4.6 ملايين شخص يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها في سورية، بينهم حوالي 600 ألف في مناطق محاصرة.

وفي محاولة منه لتجنب خيار إلقاء المساعدات جواً للمناطق المحاصرة، سمح النظام السوري، أمس الأول الأربعاء، بدخول قوافل مساعدات إلى بعض المناطق المحاصرة، مثل داريا والمعضمية، بريف دمشق، ومدينة درعا، جنوبي البلاد. ودخلت قافلة المساعدات مدينة داريا، يوم الأربعاء، لأول مرة منذ أربع سنوات، وضمّت خمس شاحنات. لكن حواجز النظام أفرغت حمولتها، تقريباً، من محتوياتها قبل وصولها، ونزعت منها بشكل خاص المواد الغذائية، لتقتصر على بعض المواد الطبية غير الملحة، كما يقول ناشطون في البلدة المحاصرة من جانب قوات النظام منذ أربع سنوات. وسبق أن منعت قوات النظام السوري في 12 مايو/ أيار الماضي دخول قافلة إلى داريا على الرغم من وصولها إلى أطراف المدينة وحصولها على موافقة النظام.





في غضون ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس الأول الأربعاء، هدنة لمدة 48 ساعة، تنتهي اليوم الجمعة، في مدينة داريا، بالتنسيق مع واشنطن والنظام السوري، وذلك "لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان بأمان"، بحسب رئيس مركز تنسيق "حميميم" للمصالحة في سورية، سيرغي كورالينكو. وجدد الأخير مطالبته المعارضة السورية بالانسحاب من المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم جبهة النصرة، حتى لا يتم استهدافها، زاعماً أن المجموعات المسلحة في الغوطة الشرقية وفي أحياء داخل دمشق تستعد لشن هجوم كبير على قوات النظام.

وتسعى روسيا إلى إشراك الولايات المتحدة في هذه الحملة بحجة استهداف "جبهة النصرة". وقالت الخارجية الروسية إنّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بحث مع نظيره الأميركي جون كيري، احتمال القيام بـ"تحركات حاسمة" مشتركة ضد "جبهة النصرة"، وغيرها من "الجماعات الإرهابية" في سورية. لكن واشنطن أعلنت، سابقاً ومراراً، أنها لن تشارك في أية عمليات عسكرية داخل سورية.

وتعمل موسكو على فرض هدن انتقائية في بعض المناطق لتحسين موقف قوات النظام عسكرياً، ومواصلة قصف مدينتَي حلب وإدلب، بحسب المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات، رياض نعسان آغا. ويضيف، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "روسيا تريد مواصلة الحرب على قوات المعارضة، خصوصاً في حلب وإدلب، بحجة محاربة جبهة النصرة، لذلك تعارض أية مبادرة لهدنة شاملة. ويشير إلى أن معظم الضحايا جراء عمليات القصف التي تقوم بها طائرات النظام السوري والطائرات الروسية، هم من المدنيين.

ويرى نعسان آغا أن الهدن قصيرة المدى التي تطرحها روسيا هدفها تحسين وضع النظام عسكرياً، معتبرا أن "إلقاء المساعدات من الجو عمل غير مضمون ولا توجد قدرة على التحكم فيه، إذ أُنزلت على دير الزور، وفي مناطق بعيدة". ويؤكد أنّ موسكو تستطيع، إذا أرادت، إلزام النظام السماح بدخول المساعدات عبر المنافذ البرية، لكن ضعف موقفها تجاه النظام، هو ما يعيق وصول المساعدات إلى المناطق المحاصرة. وحول المبادرة التي اقترحها المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب على الأمم المتحدة في تطبيق هدنة على كامل الأراضي السورية طيلة شهر رمضان المبارك، يقول آغا إنّ "الهيئة لم تتلق أي رد على هذه المبادرة حتى الآن".

وقال حجاب في رسالة بعثها إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، إن "هذه المبادرة هدفها اختبار النوايا لإزالة العقبات التي تعترض طريق استئناف المفاوضات مع النظام السوري في جنيف". كما قالت المتحدثة باسم المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، جسي شاهين، إن المبعوث الأممي يرحب بأية مبادرة لتهدئة الأعمال القتالية في سورية، خصوصاً في شهر رمضان، مشيرة إلى أن الاقتراح قُدّم للمجموعة الدولية لدعم سورية التي تقودها الولايات المتحدة وروسيا وتشرف على عملية السلام.






المساهمون