مأزق الطائرة الأوكرانية يحاصر إيران

13 يناير 2020
يتسع مأزق السلطات الإيرانية وإرباكها مع تصاعد الغضب الشعبي على تعاطيها مع حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية جراء استهدافها بصاروخ يوم الأربعاء الماضي ما أدى إلى مقتل 176 شخصاً كانوا على متنها، أغلبهم من الإيرانيين، بالتوازي مع ازدياد الضغوط الخارجية على طهران والتلويح بإجراء قانوني ضدها على خلفية القضية نفسها، بالإضافة إلى توجّه الأنظار نحو التظاهرات التي تشهدها مدن إيرانية عديدة، منها العاصمة والتي توجه انتقادات مباشرة للمرشد الإيراني علي خامنئي بما في ذلك ترديد شعار "الموت للديكتاتور"، فيما تطالب أخرى بإقالات للمسؤولين عن مأساة الطائرة والتضليل المتعمد للإيرانيين على مدى أيام.

وباتت قضية إسقاط الطائرة الأوكرانية أهم ما يشغل الرأي العام الإيراني هذه الأيام، مع الصدمة الكبيرة التي أحدثها سلوك السلطات، وإرجاعها السقوط إلى عطل فني على مدى ثلاثة أيام، قبل أن تعترف القوات المسلحة الإيرانية، فجر السبت الماضي، بأن الطائرة سقطت نتيجة إصابتها بصاروخ من الدفاع الجوي الإيراني عن طريق "خطأ بشري غير متعمد". ثم توالت البيانات والمؤتمرات الصحافية والتصريحات لشرح ملابسات الحادث، والتركيز على أنه يعود بالأساس إلى ظروف حرب، عاشتها إيران بعد شنّها هجمات صاروخية على قواعد أميركية في العراق، رداً على اغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني في الثالث من الشهر الحالي في غارة أميركية في بغداد، معتبرة أن القوات المسلحة كانت تتوقع رداً عسكرياً أميركياً.

وتواصل حراك الشارع الإيراني المصدوم مما حصل، ليُوجّه انتقادات حادة للمسؤولين، على شبكات التواصل الاجتماعي، والصحف ووكالات الأنباء، فيما البعض اختار التعبير عن اعتراضه في احتجاجات بالشوارع في العاصمة طهران ومدن أخرى، وسط شعارات ضد مسؤولين والمتسببين بالحادث و"كاتمي الحقيقة"، ودعوات لاستقالتهم ومحاسبتهم.
واستمرت الاحتجاجات اليوم الإثنين، وأظهرت مقاطع فيديو نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب وكالات الأنباء العالمية، احتشاد محتجين إيرانيين في طهران، لليوم الثالث على التوالي. كما ردد العشرات في إحدى جامعات طهران هتافات "قتلوا نخبتنا واستبدلوهم برجال دين"، في احتجاج على إسقاط الطائرة.

وأظهرت مقاطع فيديو نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في وقت متأخر من مساء الأحد إطلاق أعيرة نارية في محيط الاحتجاجات في ميدان أزادي في طهران وبركاً من الدماء على الأرض وصوراً لمصابين يحملهم آخرون وأشخاص يعتقد أنهم أفراد أمن يركضون وبحوزتهم بنادق، وفق "رويترز". وأظهرت منشورات أخرى الشرطة في زي مكافحة الشغب تضرب المحتجين بالعصي، فيما أظهرت لقطات بعض المحتجين وهم يرددون "الموت للديكتاتور" موجهين غضبهم للمرشد. ورددت مجموعة أخرى أمام جامعة في طهران هتافات تقول "يكذبون ويقولون إن عدونا أميركا، عدونا هنا".
لكن قائد شرطة طهران الجنرال حسين رحيمي، قال اليوم إنه تلقى توجيهات "بضبط النفس" في مواجهة التظاهرات. وأوضح في تصريحات بثها التلفزيون الحكومي أن "الشرطة عاملت الأشخاص الذين تجمعوا بصبر وتسامح... الشرطة لم تطلق النار على التجمعات لأن أمراً بضبط النفس أعطي لرجال الشرطة في العاصمة".
وفي سياق الاحتجاجات الداخلية، اختار فنانون إيرانيون مقاطعة مهرجان "فجر" وإلغاء حفلاتهم الفنية، للتعبير عن تضامنهم مع أسر الضحايا من جهة، وتسجيل اعتراضهم على سلوك السلطات تجاه الحادث المأساوي من جهة ثانية.

وطُرحت تساؤلات بقوة خلال الأيام الماضية، عن التأخر في إعلان السبب الحقيقي وراء سقوط الطائرة، ليقول البعض إن السبب هو أجواء عاشتها البلاد، إذ بحسب رأيهم، فإن الكشف عن ذلك حينها، كان كافياً ليطيح بموجة "الاستثمار" في الهجمات الصاروخية ضد القوات الأميركية في العراق عسكرياً وسياسياً ونفسياً وإعلامياً، وفي "المشاركة المليونية" في تشييع سليماني لإبراز شعبية الثورة، داخلياً وخارجياً. كما قيل إن ما دفع للإعلان عن السبب الحقيقي لسقوط الطائرة، هو الوصول إلى قناعة بأنه لم يعد ممكناً التستر على ذلك، بسبب ضغوط دولية ووجود ضحايا أجانب.

ووُجهت اتهامات لمسؤولين إيرانيين بـ"كتمان الحقيقة" و"الكذب"، و"مخادعة الرأي العام"، إلا أن الحكومة الإيرانية حاولت على مدى اليومين الأخيرين، تبرئة نفسها، ورمي الكرة في ملعب القوات المسلحة، من خلال نفيها العلم بالسبب الحقيقي في سقوط الطائرة، مؤكدة أن مواقفها كانت مبنية على تقارير وصلتها، تشير إلى وجود "عطل فني".
وقال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي، خلال مؤتمر صحافي اليوم: "تعرضنا لتهم بالكذب والكتمان، بينما الأمر لم يكن كذلك... الحقيقة أننا لم نكذب... وكل مواقفنا كانت مبنية على عدم الاطلاع أو بالأحرى عدم إعلامنا بما حصل". وأكد أن "أياً من المسؤولين الحكوميين، ومنهم رئيس الجمهورية، لم يكونوا يعلمون حتى مساء يوم الجمعة بالسبب الأساسي لسقوط الطائرة، إلا بعد تلقي تقرير القوات المسلحة في هذا الوقت"، كاشفاً أن "الرئيس حسن روحاني، سيلقي قريباً كلمة للشعب الإيراني، حول حادث إسقاط الطائرة". ربيعي الذي أرجع في تصريحات متعددة قبل يوم السبت، سبب سقوط الطائرة إلى "خلل فني"، نافياً إسقاطها بصاروخ إيراني، قدّم اعتذاره "للشعب الإيراني والرأي العام والصحافيين والمراسلين".


أما القوات العسكرية الإيرانية، بما فيها الحرس الثوري، والتي تحمّلت مسؤولية إسقاط الطائرة بصاروخ عن طريق "خطأ بشري"، تؤكد أنها لم تكن تقصد كتمان الحقيقة، مرجعة التأخر في إعلان السبب إلى الوقت الذي استغرقته دراسة "كافة ملابسات الحادث". وفي السياق، أرجع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، الأحد، سبب التأخر في إعلان السبب الحقيقي لسقوط الطائرة إلى "ضرورة دراسة كافة الفرضيات، ومنها تصرفات محتملة من العدو في إيجاد الخلل في الرادارات واختراق أنظمة الدفاع الجوي أو اختراق القوات وغيرها من العوامل".

وسط هذه التصريحات والبيانات، دعا ناشطون وصحافيون إيرانيون، مسؤولين سياسيين وعسكريين إلى الاستقالة كخطوة لمعالجة تداعيات ما حصل. وطالب البعض رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، اللواء محمد باقري، وشمخاني، وآخرين بتقديم استقالاتهم، وراجت أنباء عن استقالة شمخاني، إلا أن "مصدراً مطلعاً" في المجلس نفى صحة ذلك، معتبراً أنها "إشاعة". كما شاعت أنباء عن استقالة نائب الرئيس إسحاق جهانغيري، والمتحدث باسم الحكومة علي ربيعي، احتجاجاً على عدم إعلام الحكومة بالحقيقة، لكن تم نفي هذه الأنباء أيضاً.
وفي ما يتصل بهذه الاستقالات أيضاً، راجت خلال الليلة التي سبقت الإعلان عن إسقاط الطائرة بصاروخ، أنباء عن تهديد روحاني بالاستقالة، إذا لم تُكشف الحقيقة للشعب، وهو تهديد نفته وكالة "فارس" نقلاً عن "مصادر مطلعة"، لكن مستشار الرئيس للشؤون الإعلامية، حسام الدين آشنا، علّق في حديث مع موقع "إنصاف نيوز" بمعرض رده على سؤال بشأن هذا النفي من قبل "فارس"، بالقول "للأسف المعلومات التي لدى وكالة فارس ليست في متناولنا".

وفيما يستمر تفاعل قضية إسقاط الطائرة في إيران، ثمة من يحذر من المحافظين من الوقوع في "فخ" الولايات المتحدة، واللعب في ملعبها، من خلال التركيز على هذه القضية. ويقول أصحاب هذا الرأي، إن ذلك يستهدف النيل من القوات المسلحة الإيرانية، و"ينقذ" الرئيس الأميركي دونالد ترامب من "ورطة الحرج" نتيجة تلقي ضربات صاروخية في العراق من دون قيامه بالرد، متهمين في الوقت نفسه، قنوات المعارضة في الخارج وأنصارها في الداخل بتحريض الناس.

لكن بعيداً عن هذه التحذيرات والتفسيرات، من المرجح أن تظل قضية الطائرة المنكوبة، تشغل الرأي العام خلال الأيام والأسابيع وربما الأشهر المقبلة. وفي هذا السياق، برز إعلان وزير الخارجية الأوكراني فاديم بريستايكو، في تصريح لوكالة "رويترز" اليوم، أن الدول الخمس التي قُتل رعايا لها في الطائرة ستجتمع في لندن يوم الخميس المقبل لبحث اتخاذ إجراء قانوني. وقال بريستايكو إن الدول الخمس ستبحث التعويضات والتحقيق في الواقعة، معتبراً أن تصريح إيران بأن الطائرة حلقت قرب موقع عسكري حساس "هراء".

في هذا الوقت، انضم وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر ومسؤولون آخرون في الإدارة إلى ترامب في محاولة للفت الانتباه إلى المعارضة في إيران بدلاً من طرح أسئلة طويلة حول مدى التهديد المستخدم لتبرير اغتيال سليماني. وقال إسبر في تصريحات إعلامية الأحد إن الاحتجاجات في طهران تظهر أن الشعب متعطش لحكومة أكثر مساءلة بعد أن نفى القادة ومن ثم اعترفوا بإسقاط الطائرة الأوكرانية. من جهته، قال مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين إن الولايات المتحدة ترى في هذه اللحظة فرصة لتكثيف الضغط على قادة إيران. وكان ترامب قد حذر في تغريدة، الحكومة الإيرانية من مغبة مهاجمة المتظاهرين أو السعي للحصول على أسلحة نووية. وكتب قائلاً "اقترح مستشار الأمن القومي أن العقوبات والاحتجاجات "قوضت" إيران وستجبرهم على التفاوض. في الواقع سأهتم أقل في حال تفاوضوا. الأمر سيكون متروكاً لهم تماماً، ولكن لا أسلحة نووية ولا تقتلوا المحتجين".

كما طالبت الحكومة الألمانية بعدم فرض قيود على التظاهرات في إيران. وأكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الألمانية ماريا أديبار خلال مؤتمر صحافي في برلين، أن "الشعب الإيراني يجب أن تكون لديه إمكانية الاحتجاج سلمياً وبحرية"، مشيرةً إلى أن "الشعب يريد التعبير عن ألمه وبالطبع هناك غضب بعد الأحداث وكارثة حادث الطائرة الفظيعة".

(العربي الجديد)

ذات صلة

الصورة
إيراني (عبد الحكيم أبو رياش)

مجتمع

لم يمنع تقدّم الإيراني المقيم في قطاع غزة، قاسم شياصي، في السن من تذكّر تفاصيل القتال في لبنان مع منظمة التحرير الفلسطينية خلال حقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ضد الاحتلال الإسرائيلي.
الصورة

سياسة

تبدو معركة الأيام الأخيرة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، حاسمة في كافة نواحيها، خصوصاً مع بدء تركيز الرئيس دونالد ترامب ومنافسه جو بايدن على أصوات الريف، عشية مناظرتهما الأخيرة يوم الخميس المقبل.
الصورة

سياسة

عُقدت الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين الوفدين اللبناني والعدو الإسرائيلي بشأن ترسيم الحدود، صباح اليوم الأربعاء في مقرّ الأمم المتحدة في الناقورة جنوبي لبنان وتحت رعايتها، وتمّ الاتفاق في نهايتها على عقد جولة ثانية في 26 أكتوبر الحالي.
الصورة
الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة

سياسة

تنطلق اليوم المفاوضات بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي لترسيم الحدود البحرية بينهما، برعاية أممية ووساطة أميركية، مع إصرار لبناني على حصرها بالجانب التقني، مقابل محاولة تل أبيب استغلال ضعف بيروت.