ليو فيري: صراع ندّي مع اليأس

24 اغسطس 2016
الصورة
(في "أولمبيا"، باريس، 1984، تصوير: جون فان هاسيلت)
+ الخط -

مثل بحيرة تصبّ فيها أنهار يصعب إحصاؤها، يبدو منجز ليو فيري. إنه متاهة من الأنماط الموسيقية المتنوّعة التي تستدعي أشعاراً كلاسيكية أو حديثة، وتفتح على أفكار سياسية وفلسفية، أو تقحم كلاماً عامياً للهجاتٍ محلية غير منتشرة وربما كلمات فاحشة، وأحياناً تنفتح على صفاء روحاني عميق، وفي كل ذلك كانت تتبّع خطوة بخطوة "حياة الفنان".

لا شيء يشبه هذا التشعّب والخصوبة والحيوية سوى فيري حين يظهر على الخشبة بشعره الأبيض الكث والطويل، وتعبيرات وجهه وانفعالاته في الحديث أو ضرباته على البيانو بقوة.

ثمة صدق نادر وعمق أتى بهما صاحب "الوحدة" إلى الأغنية، فالطفولة تظهر بوجهها الشاحب وتناقضات مشاعرها وليس بصورتها الوردية المتداولة، والحب يمكن أن يكون معه تافهاً أو قاتلاً، ولا مجال لرفع الشعارات في الأغنية فهي حاضرة لتعرض فقط ما لامسه بأعماقه. حين سئل ذات مرة عن غياب فيتنام في أغانيه وهو المصنّف من بين الفنانين الملتزمين أجاب ببساطة: "ولكنني لم أذهب إلى فيتنام".

عاش صاحب أغنية "الحي اللاتيني" سنوات عمره الأولى ممزّقاً بين ميولات شعرية وموسيقية من جهة وخيارات أسرته في تربيته. أصبح بيتهوفن ملجأً من الأب، وفرلين ملاذاً من الدروس. كانت هذه السنوات نواة لانبثاق عالمين في ذاته؛ عالم يقع في أعماقه وآخر خارجي سيظل يحاول فهمه وتفكيكه، وغالباً التمرّد عليه.

في 1939، أنهى دراساته في كلية "سيونس بو" التي من المفترض أن تخرّج كوادر السياسة الفرنسية، وفيما أصبح زميله فرانسوا ميتران رئيساً بعد عقود، اتجه فيري نحو كباريهات حي سان جيرمان ديبري في باريس يجرّب حظه في عالم الفن. مشهد كان مزدحماً بشكل أقنعه بأنه يحتاج سنوات أخرى من النضج.

حتى 1947، لن يعرف فيري سوى لحظات متقطعة من الانتباه الجماهيري، كما أنه سيعيش تذبذباً مادياً. سنوات وإن بدت غير ذات وزن في مشواره الفني إلا أنها سنوات تحديد المسار؛ الموسيقى كخيار حياة نهائي من جهة، ومن أخرى اكتشاف "الفوضوية" كرؤية للعالم.

يوضّح فيري أن انتماءه الأول للفوضوية كان بعد قراءته لتفسير كلمة "أنارشي" في القاموس، أبهره أن يقرأ "أنارشي: نفي كل سلطة" وهو الذي سيقدّم تعريفاً لها لاحقاً "الفوضوية هي الصياغة السياسية لليأس". الإمساك بهذا الخيط سيعطي دفعاً للكلمة واللحن اللذين يكتبهما. وإذا كانت الفوضوية تحيل إلى تيار فكري من القرن التاسع عشر احتوته الحركات اليسارية فإنه مع فيري سيجد مجالاً حيوياً جديداً في الشعر والنغم.

كانت تلك الفترة مرحلة تمخّضت أيضاً عن دُفعات من المفكرين الذين يتقاطعون مع فكرة مقاومة السلطة، وقد تبلور في فرنسا تقليد يعرّف المثقف بضدّيته لها. تقليد له أوجه عدة من كتابات "آلان" الفلسفية والسياسية وصولاً إلى حفريات ميشال فوكو مروراً بروايات ومسرح ألبير كامو. ليو فيري كان الصياغة الشعرية الموسيقية لهذا التقليد.

هذا التوجّه الفكري لم يكن يعني بأن فيري كان بعيداً عن ذائقة عصره، إذ أن حرصه الأساسي اتجه نحو النجاح في ما يسمى بـ "الأغنية المنوّعة". كان يرغب أساساً في أن تلتقط إحدى المغنيات لحناً من ألحانه فتمنحه الشهرة بسهولة. تأخر ذلك بعض الشيء قبل أن تحققه له كاترين سيفير. تزامن ذلك مع شهرة أخرى في الساحة الأدبية بفضل إعجاب زعيم السريالية أندريه بروتون بكلماته.

كانت هذه الإضاءات كافية ليبحث عن ألحانه مشاهير الأغنية مثل إيديث بياف وهنري سالفادور. حققت له هذه السنوات (الخمسينيات والستينيات) ثروة كبيرة من خلال عائدات الأسطوانات في الزمن الذهبي لهذه الصناعة. وهي صناعة تنعكس في أغنية فيري نفسها، إذ يرسم فيها بورتريهات القائمين عليها وممارساتهم، حتى أن مؤرخي الفن يقسّمون مشوراه الفني بعناوين من قبيل "سنوات الأوديون" و"سنوات بركلاي".

الثروة التي حققها فيري من الفن ستذهب إلى إشباع رغبات مجنونة كاقتناء قصور مهجورة أو ملء منزله بحيوانات نادرة، وهي فترة ستفضي به إلى ما يعرف بدوامة الستينيات التي دخل فيها مرحلة من الصراع القضائي مع منتجه، وصولاً إلى انفصاله عن زوجته الثانية بعد أن قتلت "بيبي" الشانبانزي التي كان يربّيها.

ستنتهي هذه الدوامة مع "ربيع 68"، وقتها التفت الشباب الثائر على التقاليد الاجتماعية والثقافية مبهوراً إلى منجز يتضمّن نفس المطالب المرفوعة، ويخوض المعركة ذاتها، منذ أكثر من عشر سنوات.

وقتها نُفض الغبار على أعمال مثل "كما في أوستند" و"الفوضويّون" و"أوراقكم أيها الشعراء" وأغان لحّنها لأراغون مثل "الملصق الأحمر" و"هل هكذا يعيش الناس". كان من الكهول القلائل الذين قبلت بهم هذه الثورة، على خلاف أراغون نفسه أو سارتر. هذا المنعرج التاريخي كشف خاصية في أعمال فيري هي اللازمنية، وسيتجلّى ذلك من عقد إلى آخر.

بين 1969 و1971، تسارعت روائع فيري حيث أنتج أغاني أخفت خلفها كل ما سبق وأصبحت معالم في الأغنية الفرنسية، خصوصاً "سي اكسترا" و"الذاكرة والبحر" و"مع الوقت"، حيث قدّم في الأولى تعبيراً عن الحب في تركيبته الحديثة، وفي الثانية شعراً نفسياً في غاية الغموض والترصيف اللغوي ولكن بوقع نفسيّ ملوّن يعتمد على معجم بحري غرائبي، أما في الثالثة فقد اختار الكلمة المتداولة البسيطة المُحافظة على شعريتها المحضة مع خلفية موسيقية على البيانو.

بلوغ القمة الفنية تزامن مع قراره مغادرة فرنسا والاستقرار في إيطاليا في ما يشبه المنفى الطوعي إلى بلد أجداده. في هذه السنوات، سيعيد فيري مراجعة أعماله مطوّراً صياغاتها وتوزيعاتها، وسيلتفت أكثر نحو الشعر.

سيعود صاحب "البذرة السيئة" إلى شعراء أحبّهم، عاش ويعيش معهم عزلته، وإلى قصائده الشخصية وذكرياته مع الأصدقاء والنساء والآلات الموسيقية يتأملها. تحوّل الأمر معه إلى ما يشبه النزعة الأرشيفية للشعر في الأغنية، من روتبوف (القرن الثالث عشر) إلى صديقه جان روجيه كوسيمون مروراً بكبار شعراء القرن التاسع عشر والنصف الأول من العشرين. في تصريح صحافي قال: "لو أن الإسطوانات كانت موجودة في القرن التاسع عشر لاختار فيرلين وبودلير ورامبو أن يكونوا موسيقيين".

كان يقطع سنوات العزلة هذه بالظهور من حين إلى آخر في التلفزيون، حيث سيطرح أفكاراً راديكالية حادة حول الحياة العامة أو التجربة الإبداعية. بدا أن السن لم يكسر النزعة الفوضوية فيه. هذه المرة تمظهرت أمام الكاميرا وجرى تسجيلها، وهكذا سيتحوّل فيري إلى صورة متداولة، بغرابتها وفتنتها وإلهامها، في التلفزيون وقتها وفي الإنترنت اليوم.

ثمة دائماً شيء هارب في فيري، وتجربته تعبير عن هذا الفلتان. لعل الضخامة الفرعونية لمنجزه وجسارة مشاريعها تبدو هيّنة أمام طموحه بإدماج كواكب الشعر والموسيقى والفكر في بعضها. هذه الطموحات التي لا يأتي من يتصدّى لها إلا مرة كل مئة عام.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تاريخ على السلّم الموسيقي

"ينبغي إعادة كتابة التاريخ الأدبي بشكل مغاير بسبب ليو فيري" هذا ما قاله أراغون مع بروز فيري كظاهرة فنية في أربعينيات القرن الماضي. لقد قدّم من جهة كلمته الشعرية المتفرّدة في أغنيته، كما وضع فيها أعمال كبار الشعراء حتى بدت قراءة جديدة لهم (الصورة لغلاف ألبوم "فيري يغنّي بودلير"). من جانب آخر، بدا فيري كمؤرّخ أفكار فقد نطقت أغنيته بمقولات نقدية حادة وعملت على التشكيك في كل الأفكار المتداولة.

المساهمون