ليلى سويف .. في الوقت متسع للكلام العاطفي

الصورة
سيدة مسنّة، يكلل الشيب رأسها، تنام وحيدة على الرصيف من دون أي شيء يفصلها عنه. تخيّل الصورة المؤلمة قد يحيل الذهن إلى مآسي المشرّدين، لكنها هنا أكثر ألما، فهي للدكتورة ليلى سويف، التي ترابط طوال اليوم أمام سجن طرة في القاهرة، في أقرب نقطة ممكنة لنجلها السجين. مشرّدون في أوطاننا. الأرض قاسية، لكنها أقل قسوة من بعض بني البشر.
السيدة التي تحمل على كتفيها أعوامها الأربعة والستين، تحمل أيضا تاريخا من النضال عبر أجيال، أضاف لها السجّانون حملا جديدا، ومن يطيق ما تطيقين، يا دكتورة ليلى؟
في نهاية إبريل/ نيسان الماضي، تم القبض على الدكتورة ليلى وابنتها منى وشقيقتها الروائية أهداف سويف، بعد وقفة أمام مجلس الوزراء للمطالبة بإطلاق سراح السجناء في وقت وباء كورونا، حين بدأت منى الحديث مع المحقق في النيابة قالت له: "من 30 سنة والدتي قدمت بلاغ عن تعذيب بابا في السجن"، قاطعها قائلا: "خليكي في الموضوع"، فردّت: "هوا ده الموضوع".
تم اعتقال الوالد أحمد سيف الإسلام عام 1983 في قضية يسارية، وصدر ضده حكم بالسجن خمس سنوات أمضاها كاملة في سجن القلعة الأسوأ في جيله. وبعد عقود، يُعتقل الابن علاء، ويصدر ضده الحكم نفسه، خمس سنوات، لكنه هذه المرّة، بعد أن يمضيها كاملة، يخرج ليستكمل عقوبة عبثية هي "المراقبة الشرطية"، فيبيت يوميا في قسم الشرطة، ثم يُقبض عليه من جديد ليدخل دوامة السجن الاحتياطي العبثي في سجن العقرب الذي احتل مكانة القلعة.
قليلة هي اللحظات التي يعرف المرء حين يعيشها أنها دخلت تاريخيه، الشخصي والوطني، وبالتأكيد منها مشهد الأستاذة الجامعية المرموقة التي غادرت التحفظ الأكاديمي المعهود على من هم بفئتها في مصر، لتجوب الشوارع والسجون والأقسام، حتى أنها تعمل مع ابنتها في جمع القمامة أمام سجن طرة، وتترك رسالة يومية لإدارة السجن فوق أكياس القمامة.
اليوم يعرف العالم كله دور "أمهات ساحة مايو" التي تأسست عام 1977 للمطالبة بكشف مصير أولادهم المختفين قسريا، وبعد نضال مرير وطويل سقط الحكم العسكري، وخلدت الديمقراطية دورهن. لدينا أمهات ساحة سجن طرة.
يتم علاء عبد الفتاح، اليوم السبت، 24 يوماً من الإضراب عن الطعام. كل هذا النضال من علاء وأسرته للحصول على أقل سقف ممكن، وهو تنفيذ القوانين الظالمة لا أكثر، فعلى سبيل المثال تنص المادة 24 من لائحة السجون أنه "يجوز للمحبوسين احتياطيا أن يراسلوا ذويهم وأصدقاءهم في أي وقت"، كما أن تلقي الزيارات العائلية والأطعمة والمستلزمات مسموحٌ به أسبوعيا، لكن الإدارة ترفض مجرد دخول خطاب من الأسرة إلى علاء. امتهان القانون ممارسة روتينية من رجال "إنفاذ القانون"، وفي مواجهتهم تقف نساء أسرة علاء كقطرات ماء تثابر ضد الصخر.
في قصيدة محمود درويش عن والدته "تعاليم حورية"، يصفها قائلاً "لا وقت حولك للكلام العاطفي"، فهي تظهر في القصيدة منهمكة في نضال طويل لحماية أسرتها منذ النكبة، "عالمنا تغير كله، فتغيرت أصواتنا".
لا تتحدّث الدكتورة ليلى مطلقاً عما تفعله كنضال عظيم، بل كطبيعة الأمور وبديهياتها. وفي كل حواراتها ومقابلاتها الإعلامية تنهمك في الحديث عن الانتهاكات التي يتعرّض لها نجلها بسرعة، كي تجد الوقت لتنتقل للحديث عن سجناء آخرين غيره، كأنها تشعر بالمسؤولية لكون اسم أسرتها الأشهر فتحاول تعويض ذلك بسرعة بمنح المنصّة لآخرين.
وعلى الرغم من ذلك كله تنتهز الأسرة أي لحظة متاحة للتعبير عن مشاعر الحب بين أفرادها، كما عن تمسّك علاء بالإفطار يوميا مع والدته في رمضان العام الماضي، لأنها هي من انتزعت هذا الحق له بإفطارها يوميا أمام القسم الذي يمضي به المراقبة.
نأمل أن نرى يوما تملك فيه الدكتورة ليلى، وكل أمهات السجناء والمنفيين، كل الوقت للكلام العاطفي الذي يجمعهن مع أنجالهن آمنين. وحتى ذلك الوقت، فإننا، نحن الأبناء، "تحوم أيامنا حولهن وحيالهن".
تعليق: