ليلة ميونخ الدموية... اعتداء باسم كراهية الأجانب

ناصر السهلي
24 يوليو 2016
+ الخط -

لن يكون تاريخ 22 يوليو/تموز من كل عام عادياً في ألمانيا بعد اليوم، فيوم الجمعة، قام ألماني من أصل إيراني (18 عاماً)، بارتكاب مجزرة في مركز أولمبيا التجاري في ميونخ، أودت بحياة 10 أشخاص، من ضمنهم هو، وجرح 16 آخرين. ومع أن الفوضى الإعلامية اتهمت اللاجئين تارة وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) أو مثيلاته تارة أخرى، إلا أن المعطيات الأولية للشرطة الألمانية كشفت أن الرجل، ارتكب جريمته بدافع "كراهية الأجانب"، خصوصاً أن ثلاثة أتراك، كانوا من بين القتلى. وكان لافتاً أن المنفّذ، عدا عن اعتباره من الأمن أنه "مختلّ عقلياً"، كان يضع صورة الإرهابي النرويجي أنديرس بيرينغ بريفيك، على صفحته في موقع "انستغرام". بريفيك ارتكب في 22 يوليو/تموز 2011، جريمة التاريخ في بلاده، بقتله 77 شخصاً وجرحه 319 آخرين، في العاصمة أوسلو وجزيرة أوتويا بدافع "كراهية الأجانب".

عاشت ألمانيا، منذ مساء الجمعة وحتى فجر أمس السبت، ساعات عصيبة من الخوف والفزع، بدأت في مركز أولمبيا التجاري في ميونخ، التي أُصيبت شوارعها بشلل وسط تضارب الأنباء حول ما يجري. لم يتوقف الأمر على الشدّ العصبي الذي سيطر على شرطتها، وتدفق قوات الأمن من ولايات قريبة، بل أُشيع أن النمسا قد ترسل قوات خاصة لمساعدة جارتها في ملاحقة "منفّذي الهجوم". وامتد الشدّ ليشمل مواطنين، بدت إفاداتهم متناقضة وتحمل كثيراً من التهويل، المستند إلى خوفٍ تعيشه البلاد بعد سلسة من العمليات الهجومية. فلم يكد يمضي أربعة أيام على الاعتداء الذي تعرّض له قطار مدينة فورتسبورغ على يد مراهق أفغاني، يوم الإثنين، حتى جاء هجوم الجمعة، ليزيد تعقيدات الوضع الأمني الصعب.

في تفاصيل العملية، أنه قبل الساعة السادسة بعشر دقائق ليلاً، كان مركز أولمبيا يعجّ بالألمان والسياح، حين أُطلقت الرصاصة الأولى عند مطعم "ماكدونالدز"، الذي كان ترتاده العائلات مع أطفالها. وبعد أكثر من ساعتين، أعلنت الشرطة أن الحديث هو "عن عمل إرهابي طارئ" دفع بطائرات هليكوبتر، ورجال الشرطة والأمن الخاص إلى الانتشار في شوارع المدينة، التي ظلّت أبواق سيارات الإسعاف والشرطة تُسمع في أرجائها. وانسحب التوتر والتأهب الأمني على عدد من المدن الألمانية الأخرى بما فيها العاصمة برلين، التي شهدت تحركات واجتماعات واتصالات سياسية وأمنية.

وما زاد مشهد الخوف ضبابية، هو إصرار المتسوقين والزوار في المركز التجاري، على أن "مهاجمين، وليس مهاجم واحد من قام بهذا العمل"، وذلك وفقاً لما عجّت به وسائل التواصل ومواقع الصحف الألمانية والشرطة. وبالفعل استوقفت الشرطة شخصين ليلاً، لكن تبيّن لا علاقة لهما بما جرى، كما شاع أن سيارة هرب فيها المنفذان الآخران، قبل أن يتضح أنهما مواطنان هربا من المكان.





وعلى الرغم من مناشدات الشرطة المتكررة للمواطنين بعدم نشر صور وأشرطة من مكان الهجوم، إلا أن وسائل التواصل لم تأبه لتلك المناشدة. وقد ظهر جلياً مما استطاع بعض المواطنين، وكاميرات مراقبة التقاطه، أن المنفذ "كان مصمّماً على إصابة أكبر عدد ممكن"، وفق ما أفاد شهود كانوا في المطعم وعند البوابة الخارجية في شارع "هاونوير ستراشه"، حيث أطلق النار على المشاة ومن حاول الهرب. ونالت شرطة المدينة الكثير من الانتقادات، التي بدا بعضها هيستيرياً، بينما تلقى المسلمون وابلاً من الشتائم على صفحة الشرطة على موقع "تويتر"، قبل أن يتبين، أمس السبت، أن المهاجم لا يرتبط بجهة إسلامية.

لم تمض ساعات طويلة على تناقض التصريحات وروايات الشهود، وما سماه المتابعون الألمان "ارتباك الشرطة" ووسائل إعلامية محلية حول عدد وهوية المهاجمين، حتى تأكدت هوية القاتل، الإيراني ـ الألماني، والذي عاش في ميونخ في السنتين الأخيرتين، وقد انتحر بإطلاق رصاصة على نفسه.

بدورها وسائل الإعلام المحلية وفي الدول المجاورة، راحت تُذكّر، قبل أن تتيقن من طبيعة الحادث، بحوادث أخرى، استُخدم فيها عبارة "الله أكبر"، كإشارة إلى هجوم القطار قبل أيام. حتى أن بعض الشهود ذهبوا إلى حدّ الادّعاء أنهم سمعوا المنفّذ "يتحدث العربية ويصرخ بالتكبير". بينما عارض شهود عيان كتبوا في مواقع تلك الصحف تلك الاستنتاجات، وقال بعضهم "لقد كان يصرخ ضد الأجانب والأتراك"، وهو ما جعل بعضهم يذهب نحو فرضية "جماعات يمينية متطرفة".

اعتبرت ليلة ميونخ "من أعنف الليالي وأكثرها رعباً" بعد تراكم الهجمات المتقاربة بعد الهجوم في نيس الفرنسية، حيث قضى 84 شخصاً دهساً، وفق ما ذهبت إليه صحف الشمال الأوروبي. ولم ينتظر السياسيون في الدول المجاورة وقتاً حتى لاستيضاح الصورة، واعتبر بعضهم أن "ما يجري هو هجوم على الحضارة والحرية الأوروبية".




في هذا السياق اعتبر بعضهم، أيضاً قبل أن تتضح طبيعة الهجوم أن "هجوم نيس تكفل برسالة فزع وتخويف لجنوب أوروبا، وهجمات ألمانيا تكفلت بذات الرسالة للدول الشمالية والجارة لألمانيا". وفي بعض التفاصيل التي رشحت بعد أمس، فإن أجهزة الأمن الألمانية، وجهازي الاستخبارات الداخلي والشرطة الفيدرالية، تبحث في فرضية ترابط بين هجومي النرويج وألمانيا. كما استمعت الشرطة الألمانية لأقوال أخ المنفّذ من دون توجيه أيّ تهمة له. لكن الشرطة والاستخبارات وجدت مؤشرات في منزل المنفّذ على أنه مهووس بإطلاق النار، ويعاني من اضطراب ومعجب ببريفيك. وبحسب ما ذكرته الشرطة في مؤتمر صحافي، أمس، فإنها "أيضاً تعتقد أن الشاب المهاجم يعاني من حالة نفسية صعبة". وتشير إلى أنه "انتحر بيده اليسرى كونه أعسر، وقد وجدنا ثقباً بجمجمته من ذات الاتجاه". مع العلم أن الشاب تلقى علاجاً بالأدوية بسبب معاناته النفسية.

ساعات التوتر التي عاشتها مكونات المجتمع الألماني، بمن فيهم العرب والمسلمون سارت في اتجاهين متناقضين. فالألمان تعرضوا، منذ ليلة رأس السنة، لما يشبه حالة فرز واصطفاف بعيد أحداث كولن، وتتابع الهجمات التي حُمّل مهاجرون مسؤوليتها. وقبل يومين فقط من وقوع هجوم ميونخ، حذّر سياسيون وأمنيون ألمان من مزيد من الهجمات على خلفية حادثة قطار فورتسبورغ.

بدورهم عاش الألمان من أصول عربية ومسلمة نوعاً آخر من التوتر، الذي ظلّ يأمل من خلاله الناس، بألا يكون المهاجم/المهاجمون منهم. وبغض النظر عما كانت الشرطة وبعض السياسيين يحاولون فعله لتهدئة الشارع، فإن الجامعي العربي محمد أسعد، يعبّر باختصار عمّا تخلقه حالة غياب اليقين في الدوافع والجهات التي تقف خلف الهجوم، بالقول إنه "على الرغم من محاولات التهدئة إلا أننا بعد كل هجوم، حتى لو كان ذا طبيعة لا ترتبط بالمسلمين، فإننا فور وقوعها تتجه أصابع الاتهام للعرب والمسلمين عموماً. وحتى حين يقال، إن المنفذ مختل عقلياً، كما حدث قبل فترة في دار سينما، يبقى الانطباع الأول هو السائد". ويرى محمد أن "اليمين المتطرف سرعان ما يوجه أنصاره إلى جهة واحدة، وللأسف تذهب بعض المواقع الصفراء لتردد الاتهامات". وعلى الرغم من التنديد الذي أبداه عديد العرب المقيمين في ميونخ، وعموم بافاريا، فقد أمل بعضهم أن "يكون الحادث منفصلاً عمّا يطلق عليه إرهاب جماعات إسلامية، بسبب المخاوف من انعكاسات ذلك على جاليات عربية كبيرة في ألمانيا".

من جهته، كان بيتر ألتماير، مسؤول طاقم المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، قد اعتبر، في وقت متأخر من ليل الجمعة، أنه "لا يمكن التأكيد في هذا الوقت أن ما يحدث له علاقة بعمل إرهابي". وأضاف أن "كل شيء يجري بحثه الآن، وإن كان لا يوجد مؤشرات على أنه عمل إرهابي". وكانت ميركل قد أعربت عن حزنها على ضحايا إطلاق النار معلنة عن تعاطفها مع أهالي الضحايا.


 

دلالات

ذات صلة

الصورة

سياسة

شدّدت حكومات فرنسا وبريطانيا وألمانيا، اليوم الثلاثاء، على أنه يجب على إيران أن تتعاون بشكل كامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتعدل عن الخطوات التي تقلص الشفافية.
الصورة

سياسة

بحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الجمعة، سبل تطوير العلاقات الثنائية والعلاقات التركية الأوروبية.
الصورة

مجتمع

أعلنت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، مع رؤساء حكومات الولايات الست عشرة، الأربعاء الماضي، اعتماد الإغلاق الجزئي اعتبارا من يوم الإثنين المقبل لمدة أربعة أسابيع، للحدّ من تفشّي انتشار كورونا، لكن عدد من الخبراء والجمعيات الطبية انتقدت قرارات العزل
الصورة

سياسة

أعلن متحدث باسم الحكومة اليونانية، اليوم الثلاثاء، أن بلاده لن تشارك في محادثات استكشافية مع تركيا، طالما بقيت سفينة التنقيب التركية "الريس عروج" في مياه الجرف القاري لليونان.

المساهمون