ليلة الإسعاف الناصرية

19 سبتمبر 2020

لم يكن الإقطاعي المُؤَمَّم "عزو آغا" قادراً على انتقاد ظاهرة الحب التي ابتلي بها بعضُ أهل بلادنا لجمال عبد الناصر.. وهو، على العموم، يتحاشى الخوض في أحاديث السياسة أمام أصحابه الذين يلتقيهم ويجالسهم في مقهى الريحاني بعدما انتقل للعيش في مدينة إدلب.

ولكنه كان يشعر بالارتياح عندما يلتقي بصديقه المقرب "أبو النور" الذي يشبهه من حيث اللامبالاة بمثل هذه الأمور.

شهد مقهى الريحاني، عشية وفاة جمال عبد الناصر، يوم 28 سبتمبر/ أيلول 1970، سلسلة من الحوادث التراجيكوميدية، حيث تعرض عدد من الرجال الناصريين للإغماء (غوطنوا)، وكان عزو آغا يعمل بسيارته وكأنه عضو مناوب في فريق الإسعاف التابع للمستشفى الوطني، يأخذ المغمى عليه، يسعفه، ثم يوصله إلى بيته، ويعود إلى المقهى لكي يكمل التسلية.. يأتي زبون آخر، يسأل: (خير أشو في؟) يقولون له إن عزو آغا أوصل فلاناً الفلاني إلى المستشفى لإصابته بصدمة عصبية فور سماعه نبأ وفاة جمال عبد الناصر.. فيصيح الرجل:

- الأسمر أبو خالد مات؟ آخ، قلبي، قلبي..

وتغرّب عيناه، ويسقط رأسه على كتفه، فيوصله عزو آغا بسيارته إلى قسم الإسعاف في المشفى، ويتكرر نفس السيناريو، مع العلم بأن عزو ليس من محبي جمال عبد الناصر، ولكنه يشفق على هؤلاء الناس الطيبين، يسعفهم خشية أن ينطبق عليهم القول السائر: ومِنَ الحب ما قَتَل.

عندما التقى عزو آغا مع أبو النور، مساء اليوم التالي، روى له ما جرى في تلك الليلة التعيسة التي يمكن تسميتها "ليلة الإسعاف الناصرية".. وبعدما وضع أجير المقهى أمامهما نرجيلتين عامرتين بالتنباك المشتعل، وكأسين من الشاي الخمير، رفع عزو آغا يده ووضعها على رأس أبو النور، وقال له:

- بصلاة محمد اللي صلاتُه بتحيي القتيل، وهاي إيدي على راسك يا أبو النور، جاوبني عن هالسؤال واصدقني القول: أيش بيخلي إنسان إدلبي عايف رد السلام من الفقر والنحس وصعوبة العيش يحب رئيس دولة غير دولته؟  

أبو النور: أيش بدي أقول لك يا عزو آغا؟ شعبنا عاطفي.

عزو آغا: متلما بدك، خلينا نقول شعب عاطفي، وبيحب عبد الناصر، ومتأمل فيه خير.. ولما عبد الناصر حكم سورية وسَلَّط علينا جماعة المكتب الثاني، وصادر المعامل اللي كانت عم تشتغل وخلاها تفلّس، صاروا اللي بيحبوه يبرروا له، ويقولوا إنه هالشي لمصلحة العمال، ولمصلحة البلد.. ولما انهزم سنة 1967 برروا له الهزيمة وصاروا يقولوا إن الصهاينة أخدوه غدر، وإنه الدول العظمى واقفة مع إسرائيل.. طيب. ما راح نختلف، لكن توصل معهم الأمور لمستوى إنهم يغوطنوا ويوصلوا لحافة الموت لأنه عبد الناصر مات؟ والله هاي تخينة.

أبو النور: مو بس هيك عزو آغا. يمكن إنته ما بتقرا جرايد، وما بتعرف أشو صار بعد هزيمة الـ 67.

عزو آغا: أينا جرايد؟ الله وكيلك الضيعة اللي كنت عايش فيها بعمرها ما شافت جريدة. احكي لي بالله، أشو صار؟

أبو النور: اللي صار إنه في يونيو/ حزيران من سنة 1967 كل الأطراف العربية انتصرت ما عدا إسرائيل!

عزو آغا: أشو هالحكي؟

أبو النور: والله العظيم متلما عم أقول لك. حكام مصر وسورية قالوا إنه هدف إسرائيل الأساسي من الحرب كان إسقاط الأنظمة التقدمية، وهادا الهدف فشل، لأنه ليكها الأنظمة التقدمية لساتها على قيد الحياة وإسم الله عليها. وإذا إسرائيل أخدت الجولان وسيناء والقدس، أيش بتكون استفادت؟ هاي الأراضي عبارة عن شوي حجار وجبال ورمل وصحراء، يعني طز بهيك مكاسب.. المهم الهزيمة لحقت بإسرائيل والداعمين إلها لما فشلوا في إسقاط الأنظمة التكلطية (التقدمية). يا سيدي، وبنفس الوقت في واحد من مصر الشقيقة باس الأرض وشكر الله تعالى لأنه إسرائيل وجهت هالضربة القوية لهاي الأنظمة، برأيه لو بقيت هاي الأنظمة قوية كان الاتحاد السوفييتي استعمرنا وساوانا شيوعيين!

ضحك عزو آغا: أي لأ.. إذا هيك خلينا ع الهزيمة أحسن. بتصدق يا أبو النور؟ أنا وجعني قلبي على إسرائيل. قلت لي انهزمت؟

الحاضرون في جلسة الإمتاع والمؤانسة أعجبوا كثيراً بالحوار الذي دار بين عزو آغا وأبو النور في مقهى الريحاني قبل نصف قرن، والذي نقله لنا أبو الجود بأسلوبه الجميل.

حنان: وين كنت مخبي كل هالحكايات يا أبو الجود؟

أبو جهاد: الله وكيلك يا ست حنان مو مخبي شي. هلق وهوي قاعد بيناتنا طَبَّق القصة في ذهنه وحكى لنا إياها على أساس إنها صارت في الماضي. يا ستي ومين محاسبه على هالكذب؟

أبو محمد: والله أنا حابب هالقصص إن كانت حقيقية ولا كذب. تفضل أبو الجود. أشو صار بعدين؟

أبو الجود: عزو آغا، حتى يبقى أطول مدة ممكنة بصحبة أبو النور، عزمه ع العشا عنده في البيت، لكن أبو النور ما بيحب يزور حدا في بيته، لأنه فيها إحراج لسيدة البيت اللي بتكون آخدة حريتها، ولما بيدخل رجل غريب ممكن تتلبك. عزو آغا طمنه لأبو النور، وخبره إنه عزيزة هانم مو موجودة في البيت. وعلى كل حال البيت ما فيه أكل، بدنا نمر ع القصاب نساوي شوية لحوم مشوية مناخدها ومنروح ع البيت ومنتعشى.

أبو النور: إذا هيك ما عندي مانع.

وتابع أبو النو وعزو آغا تدخين الأركيلة، إلى أن انتهت، فغادرا المقهى، وتوجها، بناء على طلب عزو آغا، إلى دكان القصاب ديبو ارحيّم، أوصى عزو آغا على تنين كيلو لحومات مشوية مشكلة، ولما صارت جاهزة مع السلطات والبيواظ، قال أبو النور لعزو آغا:

- قلت لي إنه الست عزيزة هانم مو في البيت. يعني هيي راحت ع الضيعة؟  

عزو آغا (دون أن يبدو عليه أنه يمزح): لا والله، هي في المستشفى. حايطنها في العناية المركزة، ومعلقين لها سيروم.

أبو النور: خير إن شاء الله. أيش صاير معها؟

ضحك عزو آغا وقال: لما سمعت بوفاة الأسمر جمال عبد الناصر ما تحملت الصدمة، غوطنت. تصور يا أبو النور، أنا متزوج مَرَا ناصرية وما عندي خبر!

وانفلت بالضحك.