ليفربول... وفي رواية "نمبر وان"!

29 يونيو 2020
تطرب النفس إلى المدح، كل إنسان يحب أن يُذكر بخير، لا أحد يريد لنفسه البؤس والتعاسة، قد يأتينا المدح من الآخرين سخيًا كان أو شحيحًا، وربما يتأخر قليلًا أو كثيرًا، وقد لا يأتي ونظل "في انتظار غودو".

وعلى رصيف الانتظار امتحان، بعضهم يتعجل فيُطري على نفسه، وربما يدخل ذلك في باب المُلح والطرائف، وأحيانًا تتضخم الأنا وتنتفش حتى تُستهجن، ويصير صاحبها مادة للسخرية والتندر.

هذا رجلٌ قيل له: كيف أصبحت؟ سؤالٌ لا يختلف عند كثيرين عن "إزاي الصحة؟ أخبارك إيه النهاردة؟ كأن الجو برد! وأنت عامل إيه؟"، إلى غير هذه الكليشيهات التي لا يُنتظر لها جواب، وتدخل في نطاق التمهيد لحديث ما ليس إلا. قرر صاحبنا أن يتعامل مع السؤال بجواب من خارج النص، اختار ردًا كسّر به الصندوق حتى لا يتقيد بالتفكير داخله أو خارجه!
هزّ رأسه كطاووس وهو يقول: أصبحت -والله- أظرفَ النَّاس، وأشعرَ الناسَ وأكثرهم أدبًا؛ فقال السائل وقد بهت من الجواب: ما هذا؟ اسكت حتَّى يقول النّاس ذلك؛ فرد صاحبنا الحداثي منفلتًا من كل قيد اجتماعي أو فلسفي: "أنا منذ ثلاثين سنة أنتظر الناس وليسوا يقولون".

وثَمَّ أعرابيٌّ ألجأته الظروف إلى الموقف نفسه؛ فحمد نفسه وأثنى عليها حتى أشبعها، وعوتِبَ في ذلك، فقال بلهجة المتسائل المُنكِر: "أفأَكِلُه إليكم؟! إذن لا تقولون أبدًا". هذه فئة غفر لها لطيف منطقها، ولِظُرفهم تغاضى النقاد عن مناوشتهم، منهم من يدري مرارة الاستجداء، ومنهم من يجزم في قرارة نفسه أن "الحجيم هو الآخر"، ومن ثَمَّ فعليه التعويل على لسانه وقلمه في تبجيل نفسه، ويتعللون لذلك بمبرراتٍ شتى؛ فيقول ابن الرومي (وعزيزٌ عليَّ مدحي لنفسي/ غير أني جشمتُه للدلالةْ/ وهو عيبٌ يكاد يسقُطُ فيه/ كُلُّ حُرٍ يُريدُ يُظْهِرُ حالَهْ).


لا يرى آخرون فيه غضاضة، ويتلمَّسون لذلك مخرجًا بحديث المصطفى "أنا سيِّدُ العرب ولا فخر"، ويُعضِّدون مخرجهم بقول ربنا عزَّ مِن قائلٍ حكاية عن الصديِّق يوسف "إنِّي حفيظٌ عليمٌ"، وقد أحسن عبد الرحمن العشماوي في رفع راية هذا الحزب، في قوله (أعوذ بالله من كِبْرٍ أُغرُّ به/ لكن بعضَ امتداحِ النَّفسِ مسموحُ/ أبو دُجَانَةَ لَمَّا اختالَ في أُحُدٍ/ أقرَّهُ المصطفى والكِبْرُ مَقْبُوحُ).

في حين أن فريقًا ثالثًا يغالي في تقدير ذاته، يخلع عليها من الكرامات، ويستعير لها من المناقب والصفات الشيء الكثير، يشتري ألقابًا طنانة وأسماء رنانة، يداري بها تشققات نفسية وصدوعا معنوية، يندرج في سلك هؤلاء أبو الحسن بن نزار، وقد خلع على نفسه -ودفعة واحدة- لقب "ملك النحاة"، ومرت الأيام وتعاقبت السنون وظهر "نمبر وان".

يبدو أن مكابح هؤلاء العقلية -الفرامل لا مؤاخذة- تلِفت، أو تحتاج إلى تغيير زيت يعيد لها ولو بصيصًا من الأمل في فعاليتها، حَرِيٌّ به أن يتناول يوميًا كبسولات التواضع، وإلا فإن رصيده إلى نفاد، وستمله -إن آجلًا أو عاجلًا- البلاد والعباد، وليس المراد بـ"نمبر وان" شخصًا بعينه، إنما هي حالة تراها في كل مكان تقريبًا.

من أعراض هذه الحالة ألا يتوقف المرء عن الدوران حول نفسه، لا يرى أحدًا غيره جديرًا بالاهتمام، نرجسيٌ حتى النخاع، لسان حاله يردد مع يحيى العلاق (أنا وثُم أنا وكان من كان/ غصب عِينْ على روحي ما أقدْمه)، ينظر للناس من قِمة جبل -على طريقة وصف الحسن البصري رحمه الله- يراهم صغارًا ويرونه صغيرا!

يلفظهم الناس شيئًا فشيئًا، رافعين شعار محمد بن إدريس الشافعي -طيّب الله ثراه- في أفضل المناهج لمعاملة هؤلاء المتصلفين المتعجرفين (ولستُ بهيَّابٍ لمن لا يهابُني/ ولست أرى للمرء ما لا يرى لِيّا/ فإن تدنُ مني تدنُ منك مودتي/ وإن تنأ عني تلقني عنك نائيا)، وهذه وصفة ناجعة في احتواء كل من سولت له نفسه أنه "نمبر وان"، وكل من "عامل لمونة في بلد قرفانة".

تعال بنا إلى العم يورغن كلوب، هذا الألماني -المدير الفني لنادي ليفربول الإنكليزي لكرة القدم- الفائز ببطولة الدوري الإنكليزي (البريميرليغ)، ومع تحقيق إنجاز غاب عن خِزانة النادي 30 عامًا، لم يقل "أنا البريمو، أنا نمبر وان"، وإنما بتواضع الكبار قال إن زميله الإسباني ومنافسه الأول في البريميرليغ، بيب غوارديولا "أفضل مدرب في العالم"، وفي مقابلة مع صحيفة "بيلد" الألمانية، قال كلوب عن المدرب الإسباني الذي تولى تدريب برشلونة وبايرن ميونخ قبل أن يتولى حاليًا تدريب نادي مانشيستر سيتي: "هو الأفضل بين جميع المدربين الذين أعرفهم".

يستغرب كلوب، الفائز بجائزة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لأحسن مدرب، العام الماضي، عندما يصفه بعضهم بأفضل مدرب، ويقول "أنا لا ألقي بالًا إلى هذا، رغم أنني سُرِرْتُ كثيرًا بجائزة الفيفا"، في إشارة إلى جائزة أحسن مدرب للعام الحالي.

الموسم الماضي، فاز كلوب مع ليفربول ببطولة دوري أبطال أوروبا، قبل أن يضيف هذا الموسم إنجازًا باقتناص البريميرليغ عن جدارة، وسبق أن فاز مع نادي بوروسيا دورتموند الألماني بكأس ألمانيا، وهذا يحيلك إلى مغزى مهم، مفاده أن أصحاب الإنجازات يثقون في قدراتهم، ولا يستمدون قوة حضورهم من لقبٍ أو شهادة أو أقاويل مفبركة، يراهنون على أن الفعل أقوى أثرًا وأعلى صوتًا من الأقوال.

أثنى كلوب على خصمه، ولم ينسب لنفسه الفوز، وقال إنه مدين لطاقم التدريب الجيد وفريقه الممتاز، مؤكدًا أنه "إذا كانت لديه نقطة قوة، فهي تجميع أناس جيدين"، وهذا ديدن الكبار، لا يرون في انتقاص الآخرين مكرُمة، ويترفعون عن تشويه منافسيهم؛ فيكسبون القلوب ويتألفون الناس، وبمرور الوقت يتربعون في القلوب.

ليست فضائل الرجل ما ادعاها لنفسه، إنها شهادةٌ يخلعها الناس عليه -دون إكراه أو تملق- اعتمادًا على أفعاله، وليس على من كان مجتهدًا عَتْبٌ، والإنجازات أفضل ما يعزز به المرء ثقته، وصدق النبي الكريم "المتشبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابِسِ ثوبي زور".