ليس لدى العراق من يكاتبه

الصورة
لم تمضِ بضع ساعات على نيل مصطفى الكاظمي ثقة البرلمان، ليكون رئيس ثامن حكومة في عراق ما بعد الاحتلال، حتى هاتفه صانع السياسة الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، ليبلغه دعم الولايات المتحدة له، وليقدّم للعراقيين عربون الآفاق الجديدة للعلاقة بين البلدين: سماحا أمده 120 يوما لاستيراد إمدادات طاقة كهربائية من إيران، استثناءً من قرارات الحظر. 
وكان لمكالمة بومبيو الحارّة هذه فعل السحر، إذ انطلق إثرها ملوك وأمراء ورؤساء ومسؤولون من مختلف الأحجام والألقاب، ليباركوا للكاظمي منصبه، ويعرضوا التعاون والمساندة، وأيضا الود والمحبة القلبية مقرونة بوعود خضراء ودعوات لزيارات، وآمال وأمانٍ، وتوقعات لأن يلعب الرئيس الجديد لحكومة العراق الدور الذي يريدونه له، في ضوء مصالح بلدانهم التي قد تتفق وقد لا تتفق مع مصالح بلد الكاظمي: العراق. وامتدح بعضهم الكاظمي، وأشاد بأدوار سابقة له في إطار علاقاته بدول العالم، من خلال عمله الاستخباري، والتوثيقي والصحافي أيضا إبان كان يشتغل في موقع "المونيتور" الذي تحيط به وبمؤسسه، رجل الأعمال الأميركي، جمال دانيال، الشبهات، على أن أكثر التقييمات لفتا جاء من المبعوث الأميركي السابق للتحالف الدولي في العراق، بريت ماكغورك، والذي تربطه صداقة وطيدة بالكاظمي، إذ وصفه بأنه "قائد متمرّس وموحد، لديه أجندة هائلة نيابة عن الشعب العراقي"!
وبوحيٍ من هذه "الأجندة الهائلة"، انضمت هيئات ومنظمات ومؤسسات دولية وإقليمية إلى القافلة الطويلة من المهنئين والمباركين والمتطلعين إلى عراقٍ آمن ومرتاح، ومريح لأصدقائه وخصومه على السواء. أما موقف إيران، فقد بدا مرتبكا، إذ لم يكن وكلاؤها في العراق مرتاحين لمجيء الكاظمي، لكنهم انصاعوا لنصيحة "الولي الفقيه" في القبول به، على أن يتم "قلب الطاولة" أمامه في أقرب فرصةٍ سانحة، وهذا الذي أراده وزير خارجية طهران، محمد جواد ظريف، عندما خط بتقية واضحة تغريدته "الباردة" التي تفيد بأن "إيران تقف دائما مع الشعب العراقي واختياره من يدير شؤونه"، نقطة، رأس سطر.
وحدهم العراقيون لم يكونوا في وارد الدخول في هذه اللعبة، وقد تعلموا من تجربتهم العريضة مع "العملية السياسية" التي ولدت بعد الاحتلال أن "لا شيء يحدث ولا أحد يجيء" (عنوان 
مجموعة شعرية لعلي جعفر العلاق)، وأن كل ما حصل، إثر الضغط الشعبي الذي أسقط عادل عبد المهدي وكابينته الوزارية لم يحقق لهم ما أرادوه، وما يرونه في خطوة تشكيل الحكومة الجديدة ليس سوى عملية إعادة تموضع للقوى والأحزاب الإسلاموية الحاكمة و"إعادة إنتاج" مبرمجة لواقع الحال الماثل الذي قسم العراقيين حسب طائفة كل منهم أو عرقه أو حتى عشيرته، كما قصم ظهورهم.
وبالعودة إلى حكاية "الأجندة الهائلة" التي عرفنا بها ماكغورك، لنا أن نتساءل عما إذا ستتوافق تلك "الأجندة" مع "أجندة" المنتفضين/ الثوار، ومن ورائهم ملايين العراقيين الذين يريدون وطنا يستردّون فيه كرامتهم، ويحقق حريتهم وطمأنينتهم وأمانهم، ويعيد إليهم ثروات بلادهم التي سرقها اللصوص وتجار الدين وأدعياء الديمقراطية؟
هل في تلك الأجندة ما ترضى به أمهات أكثر من سبعمائة شهيد ثكلن بأبنائهن؟ هل سيقتص من قتلتهم، وهو يعرفهم بحكم موقعه السابق الذي يتيح لشاغله معرفة كل صغيرة أو كبيرة عن حال البلاد والعباد؟ ماذا في وسعه أن يقدّم لأسر أكثر من اثنين وعشرين ألف جريح ومعوق، حصيلة قمع مارسه شياطين الحقد والجريمة في مواجهة محتجّين عزّل كانوا يبحثون عن وطن؟ هل يمكنه أن يسترد مليارات الدولارات التي نهبها الحيتان الكبار، وأودعوها خزائنهم خارج البلاد، أو حوّلوها عمارات وقصورا ونواديَ للرياضة والمتعة الحرام؟ هل يستطيع أن يجترح انتخابات حرة وديمقراطية تفرز برلمانا يحترم المواطن ويدافع عن مصالحه؟ هل يمكنه حصر السلاح بيد الدولة، وإلغاء كل المليشيات السوداء التي حولت العراق إلى غابة يمارس فيها القتل والخطف والتغييب والاعتقال من دون حساب؟ هل له أن يقول للأميركيين اخرجوا من بلادنا أما كفاكم احتلالكم لها، وقد قتلتم من أبنائنا عشرات الألوف؟ هل له أن يقول للإيرانيين أن ارحلوا عن بلادنا، وخذوا وكلاءكم معكم، وكفّوا عن التدخل في شؤوننا؟
وبعد هذا كله، هل لنا أن نمني النفس بالأمل في أن تتوافق أجندة الكاظمي "الهائلة" مع أجندة العراقيين السهلة الممتنعة، خصوصا أن لديه من يكاتبه ويدعمه، مع أننا نعرف في المقابل، وبكل أسف، أن ليس لدى شعب العراق من يكاتبه!
تعليق: