ليس حكماً بالإعدام

ليس حكماً بالإعدام

04 فبراير 2017
الصورة
قصّتي مختلفة تماماً (Getty)
+ الخط -

خالد محمد المرهبي يمنيّ انخرط في مكافحة المرض الخبيث. يروي حكايته مع مرض السرطان، وتنقلها "العربي الجديد".

بدأت قصّتي مع هذا الداء العضال قبل أكثر من أربع سنوات، في شهر أغسطس/ آب من عام 2012. في اليوم الأخير من شهر رمضان، توجّهت بصحبة ولدي إلى سوق شعبي في أمانة العاصمة لشراء حاجيات العيد. فجأة، شعرت بإعياء شديد، وكدت أفقد الوعي. تركت السوق وعدت إلى البيت. لم أستطع تناول وجبة الإفطار، وظننت أنّني أصبت بنزلة برد شديدة وسوف تزول بالمسكّنات والأدوية المخفّضة للحرارة. لكنّ آلامي راحت تتزايد، حتى إنّني لم أستطع الخروج من المنزل لأداء صلاة العيد.

على الرغم من وضعي المتدهور، انتظرت شهرَين لأجري فحوصات طبية. خلالهما، عشت الجحيم بعينه. كنت أشعر أنّ في رأسي منجرة تعمل على مدار الساعة. لم أكن قادراً على النوم إلا لحظات. هزلت، ولم يكن السعال يفارقني إلا ليعود بعد برهة أكثر حدّة. لم أعد أستطيع الجلوس، ولم أعد أقوى على المشي، فيما لم أعد أستسيغ الطعام. وبات التقيؤ هو الآخر، مرافقي.

رفضت مراجعة الأطباء، واكتفيت بما أملكه من خبرة شخصية، إذ إنّني أعمل في المجال الصحي. رحت أعالج نفسي، إلى حين ظننت بأنّ النهاية قد حانت. كنت أهذي من فرط الحمى، ووضعت وصيّتي وعيوني مغرورقة بالدموع. زوجتي وأولادي وكلّ الذين شهدوا ذلك، تركوا لدموعهم العنان. على الرغم من كلّ ذلك، رفضت الذهاب إلى المستشفى. وأمام توسّلات زوجتي وأقربائي، اكتفيت بكتابة بعض الفحوصات واستدعيت ابن أخي ليسحب عيّنات دم ويحملها إلى المختبر. بيّنت النتائج احتمال إصابتي بـسرطان الدم.

كان الخبر صادماً للجميع.. زوجتي، وابني، وبناتي، وصهري، وإخوتي. حاولوا إخفاء النتيجة عنّي. وأمام إصراري، اعترفوا لي بالحقيقة. حينها، لم أكترث لشيء، كاكتراثي لدموع زوجتي وحالتها السيئة. خشيت عليها من أن تفارق الحياة قبلي. فلجأت إلى الكذب، لعلّي أخفّف عنها بعض الحزن الذي ألمّ بها في تلك الليلة، ذلك الحزن الذي استمرّ رفيقها حتى عودتي من مصر، لمدّة شهرَين. أمّا والدتي، فلم يخبرها أحد بحقيقة الأمر.

تحلّيت بكثير من الرضا الحمد لله، لذا قهرت الألم واستعدت صحّتي سريعاً لم أنزوِ في اليأس الذي يقبع فيه كثر، بل أدركت أنّ الانطلاق في فضاء الأمل الرحب هو خياري الوحيد لمواجهة السرطان. في الأيام التالية، خبرت ما يجب أن يتحلّى به مريض السرطان من تحدّ ورغبة في الحياة لمواجهة ما يعتريها من آلام وانكسار وخذلان. اخترت المعرفة، ورحت أقرأ كلّ ما وقع في يدي عن سرطان الدم، وأدمنت الشبكة العنكبوتية.




كثر هم مرضى السرطان الذين يشتكون من الأطباء، وكيف أنّهم ساهموا، بنسبة ما، في تفاقم حالاتهم، إمّا بالتشخيص السيّئ أو بإرهاق كواهلهم عبر متطلبات لم تكن ضرورية خلال مرحلة الكشف عن إصابتهم بالسرطان. أمّا قصتي، فمختلفة تماماً. لقد وُفّقت بطبيب بارع من اليوم الأوّل. وحين يُقال عن الأطباء إنّهم ملائكة الرحمة، لا أظنّ أنّ هذا الوصف ينطبق على أحد مثلما ينطبق عليه. هو طبيب يداوي بالكلمة والبسمة قبل أيّ شيء آخر. حين تغادر عيادته، تشعر بالعافية تدبّ في أوصالك. قبل أن يصف لي الدواء، كانت ابتسامته الساحرة وتطميناته الصادقة ذات مفعول السحر في نفسي.

في صباح كلّ يوم، أبدأ نهاري بتناول الفطور ودوائي الذي يُعَدّ أملنا الوحيدة - بعد قضاء الله - للبقاء على قيد الحياة. منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، هذا الدواء الذي كان غالي الثمن، لم يعد متوفراً في مركز الأورام ولا لدى الجهات الحكومية، وهو الأمر الذي يجعلنا نكثف جهودنا الذاتية ونلجأ إلى المؤسسات الداعمة وفاعلي الخير. مع تضاعف الألم، بات البحث عن الدواء همّي الأول الذي يؤرّق مضجعي.

في محاولة لمعالجة هذه المشكلة، أسّسنا "رابطة مرضى السرطان" التي ساهمت بالتعاون مع المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان - باتت هذه المؤسسة الملاذ الأخير للمرضى - وفاعلي خير، في تخفيف بعض من المعاناة ولبعض الوقت، من خلال حملة "لن نخذلهم". لكنّ المشكلة لم تحلّ جذرياً، واستمرّت المعاناة.

بعد إصابتي بالسرطان اختلفت حالي عمّا كانت قبل ذلك. فأصبحت أكثر عصبيّة من قبل وأشدّ عناداً وأقلّ تحملاً وأكثر رحمة. في بدايته، خسرت كثيراً من الوزن، 22 كيلوغراماً، استعدتها في وقت لاحق وخلال فترة قياسية، والحمد لله. أكثر ما يغيظيني هي تلك النظرات التي تبدو أحياناً وكأنّها تشيّعني إلى مثواي الأخير، والتي ترى أنّني أصبحت في عداد الموتى منذ اللحظة التي جزم فيها الأطباء بإصابتي بالسرطان.

"غريب الأمر! ما شكلك مريض!". عبارة كثيراً ما تتردد على مسامعي، فأكتفي بالابتسام وشكر الله لأنّه وهبني إرادة فولاذية وإيماناً عميقاً، وجعلني أعيش كبقيّة الناس الأصحاء إن لم يكن أفضل. بقيت أمارس عملي بكلّ جدّ، إلى حين تخلّيت عنه لأسباب، ليس المرض من بينها. كذلك، أحاول مع زملائي في الرابطة، توفير العلاج لمرضى السرطان. ننجح حيناً ونخفق أحياناً أخرى، لكنّنا لا نيأس. ونحن نتشارك الدواء كما نتشارك الألم، ونسعى إلى التخفيف بعضنا عن بعض. ننجح ونفشل، لكنّنا مستمرّون إلى حين ييأس أقلّنا عزماً وصبراً.. نحن أو السرطان.

المساهمون