ليبيا: سباق الجبهات المفتوحة وجهود نقل حكومة السراج لطرابلس

25 فبراير 2016
الصورة
تتصارع الأطراف الليبية على مواجهة "داعش"(عبدالله دوما/فرانس برس)
+ الخط -
تتخذ المواجهات العسكرية الليبية التي انفجرت دفعة واحدة، في كل من بنغازي وصبراتة وسرت واجدابيا، شكل تحضير لمواجهات أوسع، تسابق الزمن لتحسين وضع التفاوض قبل الانتهاء من المصادقة رسمياً على حكومة الوفاق، من قبل برلمان طبرق، وما يتلوها من استحقاقات في الأجندة الدولية، وخصوصاً بعد منع مائة نائب في طبرق، أمس الأول الثلاثاء، من إعطاء الثقة للحكومة الجديدة. وكأن السباق اليوم الذي يتخذ شكل الجبهات المفتوحة من الغرب إلى الشرق، يندرج تحت عنوان مَن من الليبيين يمكنه محاربة "التنظيمات الإرهابية" بشكل أكبر، في ظل ما يبدو أنه تعمُّد دولي لإفساح المجال للواء خليفة حفتر لإنهاء إحكامه السيطرة على ثاني أكبر المدن الليبية، بنغازي، بشعار "محاربة الإرهاب"، لإعادة فرض وجوده في المشهد السياسي ــ العسكري الذي تبدو ليبيا مقبلة عليه في أجواء التدخل العسكري الخارجي المرتقب.

وأعلن مائة نائب ليبي من أعضاء برلمان طبرق، في بيان، أمس الأربعاء، تأييدهم لحكومة الوفاق الوطني، مؤكدين أنهم مُنعوا من التصويت على منحها الثقة، بحسب ما ذكرت وكالة "فرانس برس". وقال النواب في بيانهم، "نؤكد نحن أعضاء مجلس النواب والبالغ عددنا مائة، موافقتنا على التشكيلة الوزارية المقترحة والبرنامج الحكومي".

وصدر بيان النواب بعدما عجز البرلمان الليبي، الثلاثاء، عن التصويت على منح الثقة للحكومة عقب فشله في تأمين النصاب القانوني للجلسة. لكنّ النواب الموقعين على البيان قالوا إنهم منعوا في جلسة الثلاثاء من "اجراء التصويت بالقوة"، وتعرضوا "للتهديد" لمنع عملية التصويت. وطالب النواب لجنة الحوار التي تمثل البرلمان في محادثات السلام، و"الجهات الراعية" في إشارة إلى بعثة الأمم المتحدة، بالعمل على "تحديد المكان المناسب لعقد جلسة مجلس النواب، بعدما أصبح جلياً استحالة القيام بذلك في طبرق".

وعلى ضوء بيان النواب المائة، دعا المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، قيادة مجلس النواب إلى "اتخاذ خطوات فورية لإضفاء الطابع الرسمي على هذا الاقرار عبر عقد جلسة تصويت جديدة". وعبّر كوبلر عن قلقه بشأن "التقارير العديدة المتعلقة بتهديد وتخويف أعضاء مجلس النواب".

وسجّلت مواجهات اليومين الأخيرين، إحراز قوات اللواء خليفة حفتر مكاسب هامة في مدينة بنغازي. ووفق ما ذكرت مصادر ليبية قريبة من مجلسَي "ثوار بنغازي"، و"فجر ليبيا"، فإنّ قوات حفتر كانت مدعومة بقوات فرنسية، وهو ما دفع وزير خارجية حكومة الإنقاذ في طرابلس، علي أبو زعكوك، إلى إدانة هذا التدخّل الأجنبي لمساندة حفتر. وأضاف أبو زعكوك، في حوار مع قناة "النبأ" الليبية، أخيراً، أنّ حكومته ستضع مجلس الأمن الدولي أمام مسؤولياته، لأنّ ما حصل يمثّل خرقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي التي تمنع بيع السلاح إلى ليبيا، وتمنع أية دولة أن تقدم دعماً عسكرياً لأي طرف في ليبيا.

وتؤكد جهات ليبية عدة أنّ هناك تغيرات في مواقف بعض المجموعات التي كانت تقف في وجه حفتر، ما دفع "فجر ليبيا" إلى الحديث عن "خيانات" رجّحت كفة حفتر في ثاني أكبر المدن الليبية، وأهمها على الإطلاق في الشرق. ويشكّل الموقف الفرنسي، في حال ثبات صحته، تغيراً مهماً في الصراع الليبي، وقراراً واضحاً في مساندة طرف على حساب آخر، وسعياً لمساعدة حفتر في مسعاه الأخير لإنقاذ دوره في المشهد الليبي.

اقرأ أيضاً ليبيا: تفاصيل سيطرة "داعش" على صبراتة..غياب التنسيق الأمني سهل هجومه

في هذا الصدد، يعتبر الخبير السياسي الليبي عز الدين عقيل أنّ قرار حفتر التدخل بكل قواه في بنغازي تزامن مع اليوم الأوّل لوصول رئيس حكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، إلى مدينة طبرق، بعد تأكّد الأول أنّ برلمان طبرق سيصادق حتماً على حكومة الوفاق. كما يدرك حفتر أنّه مع بداية عمل الحكومة سيمنع من القيام بأي عمل عسكري وحتى إطلاق رصاصة واحدة، وفقاً للخبير. ويضيف عقيل لـ"العربي الجديد"، أن "حفتر يريد إحراز أي تقدم عسكري على الأرض في الوقت الذي يقوم فيه مساندوه بالبرلمان في تعطيل المصادقة على الحكومة وتأجيلها باستمرار، إلى حين تمكّنه من تحسين وضعه التفاوضي على مستقبله، وإضعاف القوى المنافسة".

من جهة أخرى، قرّرت حكومة الإنقاذ في طرابلس شنّ هجوم واسع على تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) المتحصّن في مدينة سرت. وبدأت الطائرات بتوجيه غاراتها على المدينة منذ يومين. ويشير عقيل إلى أن كتائب صبراتة تحديداً هي التي تخوض هذه المعارك لتترجمها إلى مكاسب سياسية في المفاوضات المقبلة، ومحاولة إبعاد شبح التدخل العسكري الأجنبي التي تراه تهديداً لها. ويرجّح الخبير السياسي ذاته، أن "يتمثّل السيناريو المقبل في إقرار حكومة الوفاق، ثم تقويتها، والانطلاق في نزع الخلايا السرطانية (المجموعات المسلحة) تدريجياً، والشروع في وضع قوة موحدة على الأرض تتولى الأمن".

ويوضح عقيل أنّ هناك مفاوضات تجري الآن بقيادة المبعوث العسكري الخاص للأمين العام في ليبيا، الجنرال باولو سيرا، ورئيس لجنة الترتيبات الأمنية، العميد عبد الرحمن الطويل لنقل الحكومة الجديدة برئاسة السراج إلى طرابلس. كما يجري التفاوض مع بعض المليشيات المسلحة لوضعها في ثكنات خاصة إلى حين الانتهاء من التفاوض معها، وتسليم أسلحتها، وتحديد مصير أفرادها. ويؤكد الخبير السياسي أنّ بعض هذه العناصر المسلحة تفاوض الآن لتحديد مناطق آمنة لها، كما أنّ هناك أفكاراً كثيرة يتم تداولها حالياً حول عفو شامل عن بعضهم، أو شراء الأسلحة التي بحوزتهم لصالح الدولة، وبحسب الخبير، "كلها حلول صعبة".

وعن شكل التدخل العسكري الأجنبي المقبل، يتوقّع المحلّل السياسي ذاته، أن يتم استخدام طائرات الأباتشي مسنودة بتقدم بريّ ليبي، "لأن عناصر داعش لا يتجاوز عددهم ستة آلاف في أقصى الحالات، موزعين على مجموعات صغيرة بين مناطق متعددة، وهو ما يستبعد بالضرورة القصف الجوي العالي الذي سيكون مدمراً بالكامل، ويفترض مواجهة لصيقة على الميدان"، بحسب المحلّل.

ويأتي التصريح الصحافي للمبعوث الأممي الحالي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، أخيراً، ليرجح كفة التقديرات التي تفيد باحتمال حصول سيناريو مشابه، بدليل أن كوبلر قال: "أنا على قناعة بوجوب مكافحة داعش عسكرياً ولا مجال للتفاوض مع هذا التنظيم ويجب إلحاق الهزيمة به في أقرب وقت ممكن، على حد تعبيره". وأضاف: "يجب على الليبيين أن يكافحوا لمحاربة داعش. ولا أرى اليوم هياكل أمنية ليبية قادرة على قتال التنظيم". وأشار إلى أنّ "الضربات الجوية قد تحقق بعض الأهداف، لكن القضاء على التنظيم لن يتم سوى على أيدي الليبيين أنفسهم. ولهذا الغرض هناك العديد من المسائل التي تتطلب الحل، منها الهياكل الأمنية وبناء القوات المسلحة. أعلم أن ليبيا تعد مقاتلين شجعانا. وأساند بقوة محاربة داعش، لكن يجب أن تكون حرب الليبيين قبل غيرهم".

وما يصح على حفتر لناحية تحليل توقيت هجومه في بنغازي، يصح على طرابلس والقوى المساندة لها ربما، في فتحها جبهة صبراتة، التي تشكل اختباراً في غاية الأهمية لمدى قدرة القوى الطرابلسية أو عدمها للقضاء على "داعش" في المدينة التي سيطر عليها التنظيم، أخيراً، ورسالة حاسمة حول قوتها الحقيقية. غير أنّ المعطيات تشير إلى صعوبة واضحة في مواجهة هجوم حفتر المدعوم فرنسياً في بنغازي، إن ثبتت صحة تسريبات صحيفة "لوموند" الفرنسية أمس، على الرغم من بعض التقدم النسبي في ميناء المريسة، وحديث القوى الطرابلسية عن انسحابات تكتيكية، وتأكيدها أن المواجهات في بنغازي لم تنته بعد.

اقرأ أيضاً رئيس المجلس الرئاسي الليبي:الحكومة قد تعمل من أي مكان