ليبيا بين المؤتمرات والمؤامرات

19 ديسمبر 2019
+ الخط -
الصراع في ليبيا وعليها وحولها، يشتد إقليمياً ودولياً ومحلياً، من اتفاقية أنقرة وطرابلس التي أقامت الدنيا ولم تقعدها طوال الأسابيع الماضية، إلى -البرومو- أو الإعلان المكرر لخليفة حفتر عن ساعة الصفر الرابعة أو الخامسة لدخول طرابلس المستعصية عليه منذ بدء المعارك هناك في أبريل/ نيسان الماضي..

لا شيء جديداً سوى أن الأزمة زادت، وكلما اقترب حلها، وكلما أعلن عن مؤتمر حولها لحلحلتها.. ظهر الخليفة الحالم بوراثة القذافي أو شيء من السيسي كما يحلو للبعض تسميته، معلناً تسخين الأجواء..

فلم تهدأ أجواء المناطق والمدن الليبية منذ ظهور حفتر متزعماً عملية الكرامة التي أطلقها من طبرق تلك المدينة المحاذية لمصر.. منذ ذلك الزحف والوضع يزداد سوءاً هناك، والعيون الطامعة في نفط ليبيا تراقب وتتحين الفرص..


تحرك الخليفة الجنرال نحو بنغازي بالتزامن مع مؤتمر دولي حول ليبيا في روما، ثم زحف باتجاه مدينة درنة والدول الإقليمية تعد لمؤتمر باريس، وخرق اتفاق الصخيرات الأممي، والعالم يراقب في صمت، بل ويصفق البعض له ويدعمه، وحتى عند تحركه الأخير إلى طرابلس كانت الأمم المتحدة وبعثتها والأطراف الليبية تعد لمؤتمر ليبي جامع في مدينة غدامس، وكان الحل يومها قادماً لا محالة لإنهاء كثير من الصراع..

تولت أبوظبي جمعه بالسراج قبيل أسابيع من مفاجأة طرابلس غير السارة، واتفق الرجلان، فأخلف الجنرال وعده، وأخلفت راعية الحوار وعدها، وبدأت معركة طرابلس التي كلفت الليبيين كثيراً إلى يومنا هذا..

والآن وهم على أعتاب التحضير لمؤتمر برلين حول الأزمة هناك، خرج حفتر يحمل أصفار الساعة معه، معلناً معركة جديدة في خطوة لها العديد من التفسيرات..

أولاً: حفتر يناور من أجل تحقيق مكاسب سياسية خلال مؤتمر برلين القادم، فيظهر أنه الأقوى على الميدان عسكرياً، والأقوى في السياسة من يفرض شروطه.

ثانياً: الصراع مع تركيا بدعم إقليمي، فبعد أزمة حجز الرهائن الأتراك قبيل أشهر واستفزاز حفتر لتركيا، جاء التحرك الأخير بعد توقيع اتفاق بين أنقرة وطرابلس حول التنقيب عن الغاز في المياه الليبية، فكانت ردة الفعل الأخيرة كنوع من تعبير عن الغضب على توقيع الاتفاق.

ثالثاً: الاحتمال الأقرب أن حفتر أصعب ضعيفاً ومهزوماً، وأصبح يخشى أن يتخلى عنه داعموه خاصة بعد خسارته في غريان وحسم بعض الميادين العسكرية لصالح حكومة الوفاق المعترف بها دولياً.

رابعاً: اللاعب الإقليمي الذي يحرك حفتر سواء كان فرنسياً أو إيطالياً أو روسياً أو إماراتياً سعودياً، يريد إرسال رسائل لأنقرة من خلال خليفة حفتر، مفادها أن ليبيا تخصهم هم فقط وغير مسموح بلاعب آخر من اللاعبين الدوليين.

هذا هو حفتر وتلك ليبيا التي تحولت إلى سورية أخرى، فبكت بنغازي جرح درنة، وتألمت مصراته وترهونة والزاوية وزنتان لما ألم بطرابلس من حروب وصراعات يخسر فيها الجميع ليكسب السياسيون فقط، ففي ملاعب الدم تنتصر سياسة المصالح فقط، واسألوا حلب وإدلب إن كنتم لا تعلمون..

هذه هي ليبيا اليوم ببرقة وطبرق وسبها وأجدابيا وزليتن وسرت الصامدة تبكي حالها، ويبكي أشقاؤها ما ألم بها من جروح، فكلما نزفت تلك الجراح جاء من يفتح الجرح من جديد، وأما الصراع الدولي هناك فانتقل من ثنائية الدولتين الفاعلتين والتاريخيتين فرنسا وإيطاليا -المستعمرة- السابقة للبلاد، إلى صراع أميركي روسي، بعد التواجد العسكري الروسي مؤخراً، والذي بدء يتزايد هناك دعماً لكل عسكري عربي منقلب على إرادة شعبه..

ناهيك عن الصراع الخليجي بين الإمارات والسعودية من جهة الداعمين لخليفة حفتر، وقطر التي تدعم الشرعية الدولية هناك ممثلة في حكومة السراج..

ضف إلى ذلك صراع مياه البحر الأبيض المتوسط بين مصر واليونان الأقرب لحفتر، وبين أنقرة المقربة من حكومة الوفاق، وكل يهدد بالتدخل العسكري..

فسيسي مصر خرج من الدعم السري للجهري، فأعلن تأييده الواضح لجيش حفتر، وهاجم حكومة الوفاق صراحة، والرئيس التركي يبدو أقرب لإرسال قوة عسكرية إلى طرابلس دعماً لحكومة الوفاق وفقاً للاتفاقية الأمنية والعسكرية بين الطرفين..

وبين هذا وذاك من كل هذه الصراعات تبقى ليبيا بين المؤتمرات الدولية غير الموفقة في حل أزمتها وجمع أطراف النزاع فيها، وبين المؤامرات الإقليمية عليها التي تضع عينها على نفط البريقة وخليج سرت وثروات المواطن المهجر من أرضه بحثاً عن حياة كريمة في مناطق أخرى..

إن ليبيا اليوم تبحث عن حل وحلول وأن يرضى الجميع بأنصافها، فقد نزفت كثيراً من الدماء وقدمت الكثير من التضحيات، ولا حل للحرب إلا السلام وطاولات المفاوضات.