ليبيا الواعدة اقتصادياً المأزومة سياسياً

22 ابريل 2016
الصورة
فساد القذافي رفع معدلات الفقر داخل ليبيا الثرية

تمتلك ليبيا كل المقومات الاقتصادية التي قد تحوّلها من دولة فقيرة ضائعة مشرذمة سياسياً وممزقة أمنياً إلى واحدة من الدول الاقتصادية الصاعدة، أو على الأقل من الدول الأسرع نموا في العالم، خاصة وأنها تمتلك الكثير من الفرص الاستثمارية والمالية الواعدة، ما يجعلها من الدول المرشحة لأن تكون الأكثر جذبا للاستثمارات الخارجية وفي كل القطاعات الاقتصادية والخدمية.

زرتها عدة مرات قبل ثورة 17 فبراير 2011 وبعدها، وأعترف أنني في كل زيارة كنت أصدم من حال الاقتصاد المتردي، والوضع المعيشي بالغ السوء للمواطنين، ومن حال المطارات التي تنتمي للعصور الوسطى، والبنية التحتية المتدهورة والخدمات والفنادق والطرق والكباري وشبكات الكهرباء.

ساعتها كنت أتساءل بحسرة: كيف لدولة تمتلك كل هذه الثروات الضخمة والمقومات الاقتصادية والنفطية والمساحات الكبيرة من الأراضي أن تعيش هذا التدهور الاقتصادي الذي يدفع موظفين بالدولة وضباط بالجيش والشرطة للعمل على تاكسي أجرة ليلا لكسب بضعة دنانير تعينهم على تكاليف الحياه المرتفعة والأسعار الملتهبة؟

وكيف لدولة تمتلك حكومتها ونظامها السياسي كل هذه المليارات من الدولارات، ورغم ذلك يعاني شبابها من البطالة، ومواطنوها من غلاء الأسعار وتردي الأوضاع المعيشية، وعقاراتها من الشيخوخة، وقطاعها المصرفي والمالي من تدني الخدمات المقدمة للعملاء ورداءة مستواها؟

كيف لبلد يمتلك كل هذه المساحات الخضراء من الأراضي وملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، ومعها الأمطار والمياه الجوفية والثروات الزراعية والحيوانية، ورغم ذلك يستورد معظم احتياجاته الغذائية من الخارج، وينتظر القمح القادم له من شتى أنحاء الأرض بما فيها الدول التي يناصبها العداء جهاراً ويتعامل معها اقتصاديا في الخفاء مثل الولايات المتحدة؟

وكيف لبلد يعتبر أكبر دولة توجد بها آثار رومانية خارج إيطاليا وتمتلك ساحلاً هو الأطول من أي بلد أفريقي مطل على البحر المتوسط، ومناخاً معتدلاً ولا يتدفق عليها السياح من كل أنحاء العالم؟ وكيف لدولة تمتلك واحدة من أكبر الصحاري العجيبة في العالم ولا تستهوي السياح المولعين برحلات السفاري، وكيف لدولة تمتلك شواطئ طولها 1935 كلم على البحر المتوسط ولا تجذب مليارات الدولارات للاستثمار السياحي والفندقي بها؟

وكيف لدولة تمتلك كل هذه الثروات المعدنية واحتياطات نفط هي الأضخم بين الدول الأفريقية بكميات 41.5 مليار برميل، إضافة لاحتياطيات غاز ضخمة، ومع ذلك تجاوز عجز موازنتها 22 مليار دولار في العام الماضي فقط؟

إنه الاستبداد والفساد السياسي... استبداد القذافي ونظامه الذي جثم على حكم البلاد أكثر من 40 عاماً بدّد فيها ثروات البلاد على الحروب والنزاعات الأفريقية والتدخل في شؤون الآخرين، حاكم بدد المليارات على زعامته الوهمية وخرافاته وحلمه بأن يكون ملك ملوك أفريقيا وزعيم الأمة العربية، حاكم لم يكن يفرّق بين ثروات الدولة وأمواله الخاصة التي يسرقها من إيرادات النفط وقوت شعبه، لدرجة أن العديد من التقارير الدولية قدّرت الأموال التي نهبها نظام القذافي بنحو 200 مليار دولار ولم تستطع ليبيا استردادها رغم مرور 5 سنوات على انطلاق الثورة.

ليبيا الآن، ومع تشكيل الحكومة الجديدة، باتت أمام مفترق طرق، إما أن تستقر سياسيا وتعيد ترتيب أوراقها الاقتصادية ومعها تعيد إنتاج نفطها لمستويات ما قبل عام 2010، وأيضاً تستفيد من أموال الصندوق السيادي المجمّد في الخارج والبالغة 65 مليار دولار في تحسين مستوى معيشة الأفراد وإعادة ما هدمته الصراعات السياسية، وإما استمرار الفوضى التي تقسمها لمناطق عدة وتجعلها مرتعاً لتنظيمات مثل داعش والقاعدة وغيرها، ومعبراً لعصابات تهريب البشر من أفريقيا نحو أوروبا.