ليبيا إلى منعطف جديد بعد حل البرلمان

ليبيا إلى منعطف جديد بعد حل البرلمان

08 نوفمبر 2014
الصورة

ليبيون يحتفلون بقرار المحكمة العليا في طرابلس (6 نوفمبر/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -
يمهد قرار الدائرة الدستورية في المحكمة العليا في ليبيا بعدم دستورية تعديل مارس/آذار 2014، وحل البرلمان الليبي، وإلغاء ما ترتب عليه من تصرفات، الجدل حول إعادة النظر في المسار الانتقالي في البلاد، حيث إنه يثير نقاشاً كثيراً بشأن الدور السياسي والدستوري لمؤسسات الدولة القائمة، فكما أن القرار يحسم الإشكال القانوني، فإنه يحمل، في الوقت نفسه، آثاراً سياسية على مسارات المشهد السياسي.
ويأتي صدور قرار حل البرلمان في سياق تحولاتٍ مهمةٍ سوف تساهم في إعادة تشكيل الإطار السياسي في ليبيا، في مقدمتها اشتداد المعارك المسلحة في بنغازي منذ أسبوعين، من دون تغيير لميزان الأوضاع العسكرية، وتراجع المسلحين التابعين للبرلمان الليبي السابق، ما يتسق مع أوضاعهم العسكرية على مستوى ليبيا، ويضاف إليها، أيضاً، تغير موقف الأمم المتحدة من فرض أجندة للحوار، تضمن مركزية برلمان "طبرق" وهيمنته إلى اقتراح الحوار المفتوح، حلاً سياسياً للأزمة السياسية.


الآثار المباشرة لقرار المحكمة

وقد تصدت الدائرة الدستورية للفقرة (30/ 11) من الإعلان الدستوري، والتي تم تعديلها في 11 مارس/آذار 2014، باعتبارها غير دستورية، وهو ما يترتب عليها بطلان الانتخابات التشريعية، وهي تنص على قبول مقترح "لجنة فبراير"، واعتباره نصاً دستورياً من دون ظهوره في الإعلان الدستوري، أو تحديد تكييفه القانوني، وبغض النظر عن حيثيات قرار المحكمة، يمكن القول إنه يرتب آثاراً على الوضع الدستوري لمؤسسات الدولة، كما ينعكس على الإطار الدستوري الانتقالي.

فالنتائج المباشرة للقرار الدستوري تتمثل في الإقرار بشرعية المؤتمر الوطني العام، جهة سيادية وتشريعية، وكل تصرفاته، في الفترة الماضية، كسلطة مستمرة، ومنها تشكيل حكومة الإنقاذ الوطني، فيما أن القرار يقضي بحل مجلس النواب، نتيجة بطلان الانتخابات، وكل ما يترتب عليه من تصرفات، وأهمها منح الثقة لحكومة عبد الله الثني، وهي آثار تتجه إلى إنهاء ازدواجية مؤسسات الدولة وفوضى المشروعيات القانونية، وعلى الرغم من أنها تشكل خطوة مهمة في مسار الأزمة السياسية، لكنها غير حاسمة للخلافات السياسية.

وقد تضمن التعديل الدستوري السابع تكوين سلطة تشريعية (مجلس النواب) وانتخاب رئيس للدولة، لكنه ترك لمجلس النواب حسم طريقة انتخاب رئيس الدولة المؤقت خلال 45 يوما من انعقاده، وينفرد رئيس الدولة بسلطاتٍ تنفيذيةٍ واسعةٍ، لا تقتصر فقط على تعيين كبار المسؤولين والسفراء، ولكن، يمكنه إعلان حالة الطوارئ، وإقالة رئيس الحكومة بالتشاور مع رئيس مجلس النواب، وقد أتاح التعديل الدستوري المجال لتوسيع سلطات الرئيس، عندما أضاف له (م/ 13) إلى اختصاصات أخرى، يقرها الإعلان الدستوري والقانون، كما نقل التعديل الدستوري السابع اختصاص عرض مشروع الدستور للاستفتاء للهيئة التأسيسية (م 1/ فقرة 12)، بمجرد اعتماده.

وتشكل تعديلات 5 فبراير/شباط (التعديل السادس) محور التعديلات التي أجريت في مارس/آذار 2014، وتقوم فلسفتها على قبول إجراء انتخابات تشريعية مبكرة (م 30/ 2) ليكون بمثابة خطة عمل لفترة انتقالية ثالثة، وتشكل هذه التعديلات نقلة نوعية في التعامل الدستوري مع المرحلة الانتقالية، حيث تقترب التشريعات من الفصل بين الوظائف التنفيذية والوظائف التشريعية، بما يماثل الوضع الدستوري الدائم.

وكان ملاحظاً أن قرار المحكمة لم يتصدَّ للتجاوزات الدستورية في تشكيل البرلمان والخلاف حول تسليم السلطة، لكنه انتقل إلى تقييم دستورية الأساس الدستوري لإجراء الانتخابات، وهذا التناول يعد مهماً في التصدي، حقيقة، لحقبة من الصراع الحاد بين أطراف الأزمة، والذي اندلع منذ ديسمبر/كانون الأول 2013، والنتيجة الظاهرية، هنا، تتمثل في العودة بمؤسسات الدولة للتعديلات التي أجريت في فبراير/شباط 2014.


معضلة الهيئة التأسيسية

وفيما يتعلق بالفقرة (12) من المادة (30)، فإنها تطلق يد "الهيئة التأسيسية" في طرح مشروع الدستور للاستفتاء، ثم إصداره دستوراً دائماً، وقد تراكمت هذه الصلاحيات لـ"الهيئة"، بسبب كثرة التعديلات الدستورية، وتهميش المؤتمر الوطني، وهنا، يبدو محتملاً تغيير استراتيجية التباطؤ في إعداد مشروع الدستور، والسعي إلى الانتهاء منه، لتقليل المدى الزمني لسلطة المؤتمر، اعتمادا على الحصانات الممنوحة لها، كهيئة دستورية.

فقد وسعت تعديلات فبراير من اختصاص الهيئة التأسيسية في إصدار الدستور (فقرة ب)، حيث تنفرد باعتماد نتيجة الاستفتاء، وترسلها إلى المؤتمر، بعد موافقة الشعب عليها بأغلبية ثلثي المقترعين، في مرحلة الاستفتاء في المرة الأولى، أو بعد مرحلة إعادة الاستفتاء.

كما لم تتصد التعديلات الدستورية لمسألة تقييم السلطة التشريعية لأداء الهيئة التأسيسية، وخصوصاً في حالة تجاوزها الجدول الزمني، حيث سكت الإعلان الدستوري عن كيفية التصرف، في حالة عدم انتهاء الهيئة التأسيسية من الدستور في الآجال المحددة دستورياً، وبمعنى آخر، ما هي طرق تقييم الهيئة ومحاسبتها على تصرفاتها وأحوال انقضائها.

ولكن التعديلات اشترطت ربط الانتقال للانتخابات التشريعية (م 1/ 11) بتقرير الهيئة التأسيسية حول التقدم في الدستور، وفق ضوابط الفقرة (12) من التعديل الدستوري، ليبدأ على أساس هذا التقرير تفعيل قانون الانتخابات التشريعية.

وتشير خبرة الشهور الماضية إلى أن توجهات "الهيئة الدستورية" خالفت الدستور، وكانت أقل جدية في السير بمشروع الدستور، والإعلان عن إنجازاتها، حيث لم تلتزم بتقديم تقرير للمؤتمر الوطني في مايو/أيار 2014 عن التقدم في مهمتها، كما أنها تجاوزت المدة الدستورية لانعقادها في 24 أغسطس/آب، من دون صدور قرار رسمي، يحدد ويوضح آفاق الانتهاء من مشروع الدستور، ما يثير التباساً كبيراً حول توجهاتها المستقبلية، مع بروز انحيازات في مواقف بعض المسؤولين فيها لبرلمان طبرق.

جلسة المحكمة العليا الليبية في طرابلس (6نوفمبر/2014/أ.ف.ب)


تنافر المواقف السياسية

ويذكر أن الفترة فبراير/شباط – مارس/آذار 2014 شهدت تفاقماً للأزمة الأمنية في طرابلس، واقتحام مقر المؤتمر وحصاره، وتعرضه للتهديد والإنذار الذي أعلنه آمر لواء القعقاع، بتقديم أعضاء المؤتمر استقالتهم خلال خمس ساعات، أو خطفهم، وهي ممارسات تقل في تأثيرها عن الحملات الدعائية ضد المؤتمر، في كل وسائل الإعلام، وتضمنت تهديداً صريحاً لأعضاء المؤتمر، ودفعهم إلى الاتجاه إلى قبول المقترحات، تحت ضغوط معنوية ومادية، وتتوفر شبهة الإكراه الذي تعرض له المؤتمر الوطني، بشكلٍ أدى انخفاض الآجال الزمنية إلى سريان القوانين في تعديلات مارس/آب 2014 إلى أسبوعين، على خلاف العرف الدستوري الذي اعتبر أن 30 يوماً هي الحد الأدني، فقد ذهبت مقترحات لجنة فبراير إلى أن المؤتمر الوطني يقوم بإعداد قانون الانتخابات، خلال أسبوعين من تاريخ إقرار التعديلات، ويتم سريان قانون الانتخابات بعد إقراره بأسبوعين أيضاً، فيما تختلف الظروف السياسية والأمنية في الفترة الحالية  في طرابلس، ويعد انعقاد المحكمة وانخفاض الجرائم وتنقل الموظفين الأجانب من المؤشرات على قدرة الحكومة في طرابلس على إدارة المرافق العامة. وعلى الرغم من توجه التحالف الوطني نحو تفضيل الحسم المسلح، ورفض الحوار السياسي، فإنه خلال فترة ما قبل صدور الحكم الدستوري، اتجه إلى الحديث عن الحوار، من دون توفر بوادر مسبقة عن التغيير في مواقفه، على الرغم من اشتعال المعارك في بنغازي، ويكشف هذا التغير، بشكل عام، عن غياب بلورة واضحة لموقف التحالف من المسار الانتقالي، لكنه كان أكثر ارتباطاً بمسار عملية الكرامة، وهي صورة تعكس تطلعه إلى استبدال شرعية المؤتمر، وتكوين مسار سياسي يستبعد الإسلاميين.

وفي موازاة موقف التحالف الوطني، هناك اتجاه في "فجر ليبيا" إلى بلورة المسار السياسي وتحديد ملامح المستقبل؛ حيث برزت مؤشرات مبادرة تقوم على احترام حكم الدائرة الدستورية بخصوص مجلس النواب، والبدء بحوار للاتفاق على مهام السلطة التشريعية، والتوافق على شخصية وطنية لتسيير المرحلة الانتقالية والإسراع بإنجاز الدستور.

وبغض النظر عن مواقف الموالين لخليفة حفتر، والتوجهات القبلية، تبدو هناك أزمة ممتدة بين طرفي الأزمة "فجر ليبيا" و"الكرامة"، لا تقتصر على التباين في المواقف السياسية، لكنها تعبر عن عداوة عميقة وثأر سياسي واجتماعي، تبلور في مراحل الثورة، ما يرجع، في جزء كبير منه، إلى العلاقة القوية لفريق الكرامة بالميراث السياسي للقذافي، وتقوم مواقفه على استيلاء على السلطة، وإقصاء الأطراف الأخرى، ما يشكل معضلة حدية أمام التقدم في الحوار الوطني، بعد صراع مسلح امتد ثلاثة أشهر، سبب خللاً للترابط الاجتماعي.

وهنا، يثير قرار المحكمة الجدل حول مدى الوضع الانتقالي الراهن، وأولوياته، والذي ينقضي بصدور الدستور، أو في سبتمبر/أيلول 2015، وتمديده باستفتاء شعبي، حيث يلغي قرار المحكمة الجدول الزمني للفترة الانتقالية، بما يعني العودة إلى قرار تمديد المؤتمر الوطني الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2013، وبهذا المعنى، سوف يتصدى المؤتمر الوطني لتحديد ملامح الفترة الانتقالية، حتى صدور الدستور الجديد.

لعل المسألة المحورية في هذه المرحلة لا تقتصر على معضلة عدم وضوح أجل الانتهاء من الدستور، وارتهانه للهيئة التأسيسية، لكنه يرتبط بتداعيات اندلاع الصراع السياسي والمسلح في ليبيا، وهي قد تتطلب إعادة تقييم مسار الثورة وصياغة عملية إعادة بناء الدولة.