ليبيا .. أزمات ما بعد التغيير

25 فبراير 2015
الصورة

ليبيون يتظاهرون في الذكرى الأولى لثورتهم (17فبراير/2012/أ.ف.ب)

برلمانان وحكومتان وازدواجية في مؤسسات الدولة الليبية، هذا ما آلت إليه الأمور في ليبيا بعد مرور أربع سنوات على الثورة، وبعدما صارت شؤون البلاد تدار من مقرين متباعدين، أحدهما في العاصمة طرابلس، حيث مقر المؤتمر الوطني العام وحكومة الإنقاذ الوطني المنبثقة منه، برئاسة عمر الحاسي. والآخر في مدينة طبرق (شرق)، حيث مقر مجلس النواب، المنحل بقرار المحكمة العليا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وحكومة عبد الله الثني المنبثقة منه ومقرها مدينة البيضاء. وقد أدى هذا الانقسام إلى حالة من الازدواجية والارتباك، في مؤسسات الدولة الرسمية التي عجزت الحكومات الانتقالية المتعاقبة، عن استكمال بنائها لعدة أسباب، منها الفساد الإداري والمالي وغياب الرقابة وتذبذب معالم الرؤى السياسية.

حكومة الحاسي تدعمها أحزاب العدالة والبناء والاتحاد من أجل الوطن وحزب التغيير، إضافة إلى أغلب المجالس البلدية في المنطقة الغربية، أبرزها طرابلس ومصراتة وغريان وزوارة والزاوية. تؤيد هذا المحور قوى عسكرية، أهمها قوات فجر ليبيا، وأغلب كتائب الثوار في مدن عدة، أبرزها الزاوية وطرابلس وغريان ومصراتة وزليتن وزوارة والزاوية وبنغازي. ويسيطر المؤتمر الوطني، والقوى العسكرية التابعة له، على مدن الساحل الليبي، ابتداء من مدينة بن جواد شرقاً إلى مدينة زوارة، حيث المنفذ الحدودي رأس جدير مع تونس، علاوة على مدن الجبل الغربي، انتهاء بنالوت، حيث منفذ ذهيبة الحدودي مع تونس، فيما تسيطر جنوباً على مدينة سبها.

تنضوي الكتلة الثانية تحت قيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ويتمحور حولها البرلمان المنحل في طبرق، والحكومة المؤقتة المنبثقة منه برئاسة عبد الله الثني، إضافة إلى أحزاب سياسية عدة، أبرزها حزب تحالف القوى الوطنية، بزعامة محمود جبريل وأنصار التيار الفيدرالي. عسكرياً، تسيطر هذه الكتلة على جزء من المناطق الغربية للبلاد، عبر قوات الكرامة وجيش القبائل ولوائي الصواعق والقعقاع. أما منطقة الهلال النفطي، فتقع تحت سيطرة حرس المنشآت النفطية التابع لما يعرف بالمكتب السياسي لإقليم برقة، الموالي لحفتر، حتى مدينة أجدابيا المنقسمة على نفسها من حيث التأييد والمناهضة للمؤتمر والبرلمان المنحل. أما بنغازي فتسيطر قوات عملية الكرامة على الأحياء الواقعة جنوب المدينة، وجزء من الأحياء الواقعة شمالها، إضافة إلى مدينة المرج، معقل عملية الكرامة، ومقر إقامة اللواء حفتر ومدينة البيضاء، حيث مقر حكومة الثني، ثم مدينة طبرق، حيث مقر البرلمان المنحل، وصولاً إلى منفذ مساعد الحدودي مع مصر.

تعود أسباب الأزمة الليبية، بالأساس، إلى الصراع على السلطة، وعجز النخب السياسية في البلاد عن إدارة المرحلة الانتقالية، للوصول إلى مرحلة مستقرة، يتم فيها التداول السلمي على الحكم بكيفية ديمقراطية، اذ كان يجب أن تكون مرحلة ما بعد الثورة مرحلة بناء واستقرار، يتم التركيز فيها، أولاً، على استتباب الأمن وتحسين الخدمات وإعادة الأوضاع الطبيعية إلى البلاد، والانكباب على صياغة دستور توافقي. ولكن الطبقة السياسية الليبية، والتي تعتبر حديثة عهد بممارسة السياسة، نظراً لسنوات الإغلاق الطويلة التي عرفها حكم معمر القذافي، سقطت سريعاً في مطب الصراعات الضيقة، فظهرت أزمات فكرية وسياسية وحزبية، كانت سابقة لأوانها. حيث جنحت بقاطرة الدولة عن سكتها السوية، في إعادة بناء مؤسسات الدولة المنخورة إلى طريق التقاتل والصراع على الشرعية. ولعل التبكير بايجاد هذه الصراعات في المشهد الليبي، هو ما أدى إلى استقطابات، أفضت مع الوقت، إلى صراعات عسكرية في مناطق ليبية عدة، باتت أرضاً خصبة لما يعرف بالثورة المضادة، بعد دخول مؤيدي النظام السابق على الخط، وقيامهم بهجمات نوعية في بعض المناطق، وحملات تحريضية، اعتمدوا فيها على ما سموها الخلايا النائمة. فضلا عن محاولات قوى إقليمية، كمصر والإمارات وفرنسا، تغذية الصراع وتأجيجه، بدعم مجموعات ليبية ضد أخرى، من خلال تأييد اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بذريعة محاربة الإرهاب، وهو التدخل الذي يزيد الوضع سوءاً، ولا يساعد أبداً على التوصل إلى توافق بين الفصائل الليبية، في وقت تحول فيه الدعم لحكومة عمر الحاسي من طرف تركيا وقطر، إلى دعم معنوي فقط، وحيث لها على المشاركة في الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة.

وإذا كانت عناصر تحمل الفكر المتطرف، في مدينتي درنة وبنغازي، إلا أنه من غير المعقول الالتفات بجدية لما يلوّح به حفتر، في حق قوات "فجر ليبيا"، والذي يسعى، من خلال تسويق شيطنتها، إلى كسب دعم خارجي، يبدو أن الجميع تفطن إلى مغالطاته، باستثاء من يدعمون اتجاهه، ويسعون إلى فرضه بقوة الطائرات على الواقع الليبي المكلوم. وهو ما يرفضه جل الليبيين، على أساس أن محاربة الإرهاب إن وُجد مشروع دولة، لا ينبغي التغني به من أطراف بعينها، لتحقيق إجماع دولي وإقليمي في صراع حول السلطة.

لكن أزمة الانقسام السياسية استفحلت بانقسام المواطنين الليبيين، أيضاً، بين مؤيد ومعارض لهذا الطرف أو ذاك، وفقا لانتماءات قبلية ومناطقية في أغلب الأحيان، وبسبب تكتلاتٍ أفرزها توافق المصالح أحيانا أخرى. وفي ظل هذا المشهد، يُطرح سؤال حول من يمتلك الشرعية في ليبيا، حكومة الحاسي أم حكومة الثني؟

لا أعتقد أن أحداً يستطيع الجزم بأحقية أي من الحكومتين في الشرعية الكاملة، فكلتاهما لا تمتلك شرعية حقيقية، والشرعية إن وُجدت ستكون للطرف الذي ينبثق من حوار معمق، لا يقصي أحداً من الليبيين، ويستطيع أن يخرُج بأرضية جامعة لكل أطياف المجتمع الليبي، وتعقيداته القبلية وولاءاته المناطقية. في المقابل، يبقى الحسم العسكري، إن قُدر له أن يتم، لهذا الطرف أو ذاك، غير مأمون العواقب. وأياً كانت نتائجه، ستصب في خانة إيذاء المجتمع الليبي، وانقسامه، ومن ثم تهديد وحدة ليبيا دولة قائمة بمكوناتها الحالية، وقادرة، إن صدقت النيات وتوفرت الإرادة، وبقليل من الجهد، على تخطي المعوقات الحالية، وتحقيق استقرارٍ يؤدي، بالضرورة، إلى ازدهار اقتصادي واجتماعي، وهو ما افتقده الشعب الليبي سنوات طويلة تحت حكم القذافي، وسعى، من خلال ثورته، إلى تغيير حاله إلى الأفضل والأحسن.

غير أنه، ومع إطالة عمر المرحلة الانتقالية، وتأخر صياغة الدستور، والعثرات التي تواجه مساعي الأمم المتحدة، في جمع الفرقاء الليبيين على طاولة حوارٍ، يفضي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإنهاء الصراع السياسي والعسكري، يخشى أن يصبح الاستقرار في ليبيا بعيد المنال، بعد أربع سنوات من انتفاضة "17 فبراير"، حيث تثار تساؤلات كثيرة حول كيفية التعاطي مع أزمات ما بعد ثورات التغيير. وكيف يتعلم الليبيون إطفاء حرائقهم بأنفسهم، من دون تدخل أجنبي، من شأن زيته أن يزيد النار تأججاً، خصوصاً وأن حرائق المنطقة العربية تعددت، وتعدلت معها أجندة الأولويات لدى القوى العظمى، وهو ما يدعو الليبيين إلى قلع شوكهم بأيديهم، وعدم ترك قوى أخرى إقليمية، أو دولية، للعب في ساحتهم.